هل تظن أنك ستبلغ مبلغ الشيخ فلان…!

هذا كلامٌ نفيسٌ للشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله تعالى:

” ومن العوائق في ذلك – أي طلب العلم- أن يقول القائل: هل تظن أنك ستبلغ مبلغ الشيخ فلان! أو العالم فلان! أو الداعية فلان أو فلان المشهور بالعلم،! هؤلاء فعلوا، وهؤلاء كان لهم كذا…

فيضرب له أمثلة من المشاهير لكي يحجزه عن الوصول إلى هذه المراتب العليا، وهذا من وساوس الشيطان الكبيرة، لأن العلم في ذاته محمود وفي مآلاته في الدنيا والآخرة محمود، وليس الغرض من طلب العلم أن يكون المرء إماما لكل الناس، أو أن يكون عالما يشار إليه؛ بل إذا قصد ذلك ونواه فنيته فاسدة؛ بل الغرض من العلم هو أن يكون ما بينك وبين الله جل وعلا عامراً، وأن تكون عالما بالله تعرف ربك جل وعلا وإذا قرأت في الكتاب عرفت حق الله وحق رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنست بفهم الكتاب والسنة، وأعظم أنس وأعظم طمأنينة في هذه الدنيا هي طمأنينة الإيمان، وخاصة في حال قراءتك للقرآن و أنت تعلم ما تقرأ، وسماعك للسنة وأنت تعلم ما تسمع، وأنت تصلي وتعلم الصلاة وما تقول فيها وأحكامها، وترى حركة الناس وتعلم أحكام ذلك، هذه من أعظم الطمأنينة التي يرجع إليها العبد.

فلهذا إياك والمخدر الذي يأتي به الشيطان ويثبط عن العلم بأنه لن تكون العالم فلان، ليس الأمر كذلك.

الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، هل كانوا على مرتبة واحدة! ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾[البقرة:253] هل كانوا جميعا من أولي العزم؟ لا، أولي العزم منهم خمسة، وهل الخمسة هؤلاء على مرتبة واحدة؟ ليس الأمر كذلك.

فإذن الوَهَم في أن يقول قائل في طلب العلم لن أطلب حتى أكون كاملاً مدركاً، كيف أطلب العلم و لا أعرف أخرج المسائل الفقهية، ولا أخرج الحديث ولا أعرف كيف ألقي كلمة سليمة ونحو ذلك، لا يشترط، ليس العلم المقصود منه ذلك، العلم نيته الصالحة كما ذكرت لكم مرارا أن تنوي رفع الجهل عن نفسك، فإذا تعلمت وترفع الجهل عن نفسك وتكون عالما بالله فإنه يرجى أن يكون لك أثر فضل العلم والعلماء، وهو أنهم مرفوعون؛ لأن الله جل وعلا قال ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة:11]، وبقدر ما تؤتى من العلم يرفعك الله جل وعلا درجات، ثم المرء يوم القيامة مع من أحب، وتقام ويوم القيامة ألوية، فمع من يكون الإنسان؟ يكون مع أشبه الناس به، وإذا كنت نفسه معلقة بفلان وفلان فإنه يرجى أن يكون معهم؛ لأن العلم وُصلة وسبيل في ذلك، قال جل وعلا في الظالمين ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾[الصافات:22-24]، قوله ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ من هم الأزواج؟ هم النّظراء والأمثال والأشباه، فيحشر الظالم مع مثيله، القاتل مع القاتل، والمشرك الذي يعبد الوثن مع الوثن، والذي يعبد الصنم مع الصنم، والذي يعبد النبي مع الذي يعبد النبي، فالذي يحشر: يحشر الظالم مع شبيهه ونظيره ومثيله، قال بعض أهل العلم، وكذلك أهل الإيمان الأمثال مع بعضهم بعضا لأنه يكون أطمن لقلوبهم وأبلغ في ذلك.

بهذا نقول في فاتحة هذه الدروس: يجب علينا جميعا المتحدث والمحدَّث أن نحرص على العلم النافع، وأن لا يشغلنا عنه شاغل وهو الباقي، وأما عوارض الدنيا تزول، والمرء بقدر مسيره فيه يعطيه الله جل وعلا، ويحاسب نفسه وبقدر محاسبته لنفسه يعطيه الله جل وعلا من فضله.

نسأل الله جل وعلا أن يقينا وإياكم العثار، وأن يجعلنا من أهل الآثار إنه سبحانه جواد كريم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.”

من محاضرة بعنوان ” عوائق الطلب”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s