الإنصاف…!

… من ضروب الإنصاف… أن يقول الرجل صوابًا؛ فتعترف بأنه محق، أو يحرز خصلة حمد؛ فتقر بها ولا تنازع من يصفه بها.

ولا أجد مانعًا من أن أُسمِّي هذا النوع من الإنصاف (الإنصاف الأدبي)، ويقابله من الأخلاق المذمومة العناد، وهو جحود الحق, ورده مع العلم بأنه حق.

والإنصاف الأدبي من الخصال التي لا ترسخ إلا في نفس نبتت في بيئة صالحة, وارتضعت من ثدي التربية الصحيحة لبنًا خالصًا.

والجماعة التي تفقد هذا الخلق تفقد جانبًا عظيمًا من أسباب السعادة، ويدخلها الوهن بعد الوهن, حتى تتفرق أيدي سبا [مثل يضرب في التفرق والشتات]…

قلةُ الإنصافِ تَجُرُّ إلى التقاطعِ, والإنصافُ يدعو إلى الألفة…

وقلةُ الإنصاف تسقط احترامك من العيون …

قلةُ الإنصافِ تُسْقط احترامك من القلوب، والإنصافُ يزيد احترامك في القلوب مكانة؛ ذلك لأن إنصافك للرجال يدل على صفاء سريرتك، ونقائها من أن تكون قد حملت شيئًا من دنس الحسد, أو حام بها الغلوُّ في حبِّ الذات….

والإنصاف الذي قد تجمع عنه نفسك كثيرًا أو قليلا أن تقول قولًا تظنه صوابًا, أو تعمل عملا تحسبه حسنًا؛ فينقده آخر بميزان العلم الصحيح, ويريك أنك قد قلت خطأ, أو عملت سيئًا؛ ففي مثل هذا المقام قد تجد في نفسك كراهةً للاعتراف بالخطأ في القول, أو الإساءة في العمل؛ فإن كنت على ذكْرٍ من فضيلة الإنصاف, وما تؤتيه من ثمارٍ طيبة لم تلبث أن تَكْظُم هذه الكراهةَ, ولا تجد في نفسك حرجًا من أن تقول للناس: إني قد أخطأت في قولي, أو أسأت في عملي…

مختار من كتاب (موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين)، دار النوادر بسوريا ، ط1، 1431هـ ، (5/2078) بتصرف من مقال بعنوان الإنصاف الأدبي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s