علمُ تحقيق المخطوطات…!

هذه كلماتٌ مفرقة منثورة ضمن مقالات العلاّمة محمود الطناحي رحمه الله، يجمعها موضوع علم تحقيق المخطوطات، و هي تمثل في مجموعها مقدمة جيدة لهذا الفن… و ليس لي في هذا الفن ناقة و لا جمل، إنما أحبه و أحب أهله , و أطرب بذكرهم، حُباً في الله و حباً لتراث المسلمين ، شمسُ العلم التي أضاءت ظلمات الدنيا…

قال رحمه الله:

(1)

ليس هناك داعٍ لإثقال النص بالفروق الهينة، أو التي تكون واضحة الخطأ نتيجة لأوهام النساخ أو جهلهم، ولا يذكر من الفروق إلا ما كان له وجه يخدم النص، و المسألة ليست استعراض عضلات، كما يقال في هذه الأيام ص55

(2)

لا شك أن هناك جهدًا صامتًا للمحقق لا يظهر في التعليقات، فلن يضير المحقق أن تكون تعليقاته قليلة، وهذه حقيقة يعرفها كل من ابتلي بتحقيق النصوص. ص56

(3)

الاشتغال بتحقيق النصوص يقتضي المعايشة الكاملة للنص المحقق، بحيث يكون المحقق مالكا لزمام عمله، مفتح العينين لكل خبر وحكاية. ص58

(4)

يعدُ تحقيق أحمد شاكر لكتاب الرسالة أكبر دليل على إتقانه وبراعته في إخراج النصوص القديمة على أعدل المناهج وأقومها، بل إن تحقيق هذا الكتاب يعد إيذانًا ببدء مرحلة جديدة تماما من النشر العلمي العربي المستكمل لكل أسباب التوثيق والتحقيق والموصول بما سنته الأوائل وأصَّلوه. انظر ص68

(4)

الشيخ أحمد محمد شاكر محدث العصر، وواضع أصول نشر التراث بتحقيقه لكتاب الرسالة. ص84

(5)

تحقيق النصوص علم له قوانينه وأعرافه ومصطلحاته وأدواته, وله جانبان: جانب الصنعة, وجانب العلم.

فأما جانب الصنعة: فهو ما يتصل بجمع النسخ المخطوطة للكتاب المراد تحقيقه, والموازنة بينها واختيار النسخة الأم أو الأصل، ثم ما يكون بعد ذلك من توثيق عنوان المخطوط واسم المؤلف, ونسبة المخطوط إليه, ونسخه والتعليق عليه, وتخريج شواهده، وتوثيق نقوله، وصنع الفهارس الفنية اللازمة, فهذا كله جانب الصنعة الذي يستوي فيه الناس جميعاً, ولا يكاد يفضل أحدٌ أحدًا فيه, إلا بما يكون من الوفاء بهذه النقاط أو التقصير فيها.

وأما جانب العلم في تحقيق النصوص: فهو الغاية التي ليس وراءها غاية, وهو المطلب الكبير الذي ينبغي أن تُصرَف إليه الهمم, وتُبذَل فيه الجهود؛ ولاءً لهذا التراث العريق, وكشفًا لمسيرتنا الفكرية عبر هذه الأزمان المتطاولة. ص124

(6)

التحقيق في اصطلاح نشر التراث: «هو أن يُؤدَّى الكتاب أداءً صادقًا كما وضعه مؤلفه كمًّا وكيفًا بقدر الإمكان»,  والكتاب المحقق: «هو الذي صَحَّ عنوانه واسم مؤلفه ونسبة الكتاب إليه, وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه».

ولتحقيق هذه الغاية لا بد من إجراءات علمية تدور على النقاط التالية:

1- تحقيق عنوان الكتاب.

2 – تحقيق اسم المؤلف.

3- تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه.

4- تحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر الإمكان مقارباً لنص مؤلفه. ص125-126

يدور عمل المحقق -بعد أن ينسخ الكتاب من الأصل المخطوط الذي اختاره وارتضاه, وبعد المقابلة على النُسخ الأخرى- على جملة من التعليقات, هي:

1- ذكر فروق النسخ, ولا يذكر من هذه الفروق إلا ما له وجه ومعنى.

2- تخريج النصوص (قرآن – حديث – شعر – مثل). وتخريج النصوص هو الدلالة على مواضعها في مصادرها.

3- توثيق النقول التي صَرَّح المؤلف بنسبتها إلى أصحابها, أو التي سكت عنها, ثم عرف المحقق أصولها وأصحابها.

4 – التعريف بالأعلام والأماكن, ولا يُعرَّف منهما إلا ما كان مجهولًا أو قليل الشهرة.

5- الشروح اللغوية للألفاظ الغربية, ويتصل بها شرح المصطلحات, والإشارات التاريخية.

وواضح أن تعليقات المحقق التي تقوم على هذه النقاط الخمس, ينبغي أن تكون في دائرة إضاءة النص وتوضيحه فقط, فلا يصح أن يتوسع فيها حتى تخرج إلى التفسير الكامل, فتحقيق النصوص ليس شرحًا لها.

ويسبق هذا العمل عمل، ويقفوه عمل, فأما الذي يسبقه: فهو ترجمة لمؤلف الكتاب على المنهج المعروف عند أئمة التحقيق, ثم حديث عن الكتاب المحقَّق, ومكانه في الفن الذي يدور حوله, تأثُّرًا وتأثيرًا, ثم مكانة الكتاب في المكتبة العربية على وجه العموم.

وأما الذي يقفوه: فهو فهارس فنية تكشف عن كنوز الكتاب وفوائده, وتجرى هذه الفهارس على النحو الذي عُرف عند شيوخ صنعة التحقيق. ص126-127

(7)

يُستعمَل مصطلح التحقيق مُرادِفًا لمصطلح «التصحيح» أو «النشر», وفي بداية الطباعة العربية لم يُعرف هذا المصطلح «التحقيق», ولعل أول من استعمله ووضعه على صدر الكتب التي نشرها هو: أحمد زكي باشا, شيخ العروبة, المتوفى سنة 1353 هـ – 1934 م, وذلك فيما نشره من هذه الكتب: الأصنام, لابن الكلبي 1332 هـ – 1914 م, والتاج في أخلاق الملوك, المنسوب للجاحظ, في السنة نفسها, وأنساب الخيل, لابن الكلبي, الذي طُبع بعد وفاته سنة 1365 هـ -1946 م. ص127

(8)

وتصحيح الكتب كان ولا يزال المدرسة الأصلية لتخريج العلماء. ص133

(9)

للنفاسة والندرة في عالم المخطوطات معايير كثيرة, من أبرزها وأظهرها: قدم المخطوط. ص328

(10)

الندرة أو النفاسة في علم المخطوطات ترجع إلى عدة أمور, منها:

(أ‌) أن يكون المخطوط بخط المؤلف, وهي الغاية التي ليس وراءها غاية.

(ب‌) أن يكون المؤلف قد أملى المخطوط على أحد تلاميذه فكتبه, وأثبت هو عليه خطه بصحة القراءة عليه, أو سماعه, أو إجازته.

(ت‌) أن يمتلك المخطوط أحد العلماء المشهورين, ويثبت عليه خطه بالقراءة أو التملك.

(د‌)   أن يكون المخطوط وحيداً لا توجد منه إلا هذه النسخة.

(هـ)  أن يكون المخطوط قديم النسخ.

وهذا هو المعيار العام في تقديم المخطوط, وهو القِدَم والقرب من المؤلف.

على أن هناك أسباباً أخرى للندرة والنفاسة, ولا يمكن حصرها والإحاطة بها هنا, وإنما يظهر منها الشيء بعد الشيء, ومعرفة ذلك موكولة إلى ثقافة المفهرِس, ومعرفته بتاريخ الكتب وحال المطبوع منها, وعن أي أصولٍ خطيةٍ حُقِّق الكتاب, ولا يتأتى هذا إلا بعد دُربة وكثرة تفتيش, ومجالسة ومشافهة أهل العلم, وقد أدركتُ طائفة منهم كانت أحوال المخطوط والمطبوع من تراثنا عندهم على طَرَف الثُّمام. ص387

(11)

العمل في هذا المجال [تحقيق التراث] محوج إلى مراجعات كثيرة في بطون الكتب، ومفاتشة المصادر، ومعرفة التعامل معها واستنطاقها، ثم هو عمل يحتاج إلى صبر شديد وحسن أناة، ودربة على قراءة المخطوطات، وفك معمياتها، ثم ما يكون من التعليق على النص وإضاءته وربطه بالكتب التي تدور في فلكه، أو تكون منه بسبب، ثم صنع الفهارس الفنية الكاشفة لكنوز الكتاب. ص671

(12)

أما نراه اليوم من جرأة بعض خلق الله على نشر كتب التراث دون معرفة سابقة، أو دون إلف ومخالطة للمؤلِّف؛ فشيء يأباه العلم، ولا يقدم للتراث شيئًا ذا بال، وأستطيع أن أقول دون توقف أو تردد: إن كثيرًا من هذا الذي يخرج الآن من تراثنا محققًا = لا صلة له بالعلم، ولا بعلم تحقيق النصوص، سواء كان هذا الذي يحقّق لدراسة جامعية للحصول على شهادة عليا، أو كان نشرًا علميًّا يُراد به العائد المادي ليس غير. ص673


انتقيتُ هذه الجمل من هذا المقال: المنتقى من “مقالات العلّامة الدكتور محمود محمد الطناحي”

و الحمد لله رب العالمين.

هاني حلمي

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s