تعليق على فتوى مفتي مصر بحُرمة التعامل بعُملة “البت كوين”…!

بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله،

أتتني الأخبار أن مفتي مصر قد أفتى بحرمة التعامل بالعملة الافتراضية “بت كوين” و ذلك في مطلع عام 2018 ، و لقد كنتُ بحثت حكم التعامل بالبت كوين ووصلت للقول بحرمة التعامل بها و بينتُ أدلة قولى، و لله الحمد و المنة وحده على التوفيق، و بحثي قد نشرته على مدونتي هذه في 24 سبتمبر 2017 بعنوان  “بت كوين” و أخواتها… نظرة في الحُكم الشرعي للعُملات المُشفرة! 

و لقد حاولت الحصول على نص فتوى الدكتور شوقي علام، مفتي مصر، و لم أجد غير بيان مقتبس من كلامه كما في صفحته على الانترنت بتاريخ 02 يناير 2018 تحت عنوان مفتي الجمهورية يبيِّن حكم التعامل بالعملة الإلكترونية “البتكوين” ، و فيما يلي نص البيان باللون الأزرق، و الذي قد بدا لي بعد قراءته بعض التعليقات،  و قد أدخلت تعليقاتي عليه باللون الأحمر تمييزاً لكلامي من نص بيان المفتي، كما يلي:

“أكد فضيلة الأستاذ الدكتور شوقي علام -مفتي الجمهورية- أنه لا يجوز شرعًا تداول عملة “البتكوين” والتعامل من خلالها بالبيعِ والشراءِ والإجارةِ وغيرها، بل يُمنع من الاشتراكِ فيها؛ لعدمِ اعتبارِها كوسيطٍ مقبولٍ للتبادلِ من الجهاتِ المخُتصَّةِ، ولِمَا تشتمل عليه من الضررِ الناشئ عن الغررِ والجهالةِ والغشِّ في مَصْرِفها ومِعْيارها وقِيمتها، فضلًا عما تؤدي إليه ممارستُها من مخاطرَ عاليةٍ على الأفراد والدول.

وأوضح فضيلة مفتي الجمهورية -في فتوى له- أن عملة “البتكوين” (Bitcoin) من العملات الافتراضية (Virtual Currency)، التي طُرِحت للتداول في الأسواق المالية في سنة 2009م، وهي عبارة عن وحداتٍ رقَمية مُشَفَّرة ليس لها وجودٌ فيزيائيٌّ في الواقع ويمكن مقارنتها بالعملات التقليدية كالدولار أو اليورو مثلًا.

وأضاف فضيلته أن هذه الوحدات الافتراضية غيرُ مغطَّاةٍ بأصولٍ ملموسةٍ، ولا تحتاج في إصدارها إلى أي شروطٍ أو ضوابطَ، وليس لها اعتمادٌ ماليٌّ لدى أيِّ نظامٍ اقتصادي مركزي، ولا تخضعُ لسلطات الجهات الرقابية والهيئات المالية؛ لأنها تعتمدُ على التداول عبر الشبكة العنكبوتية الدولية (الإنترنت) بلا سيطرة ولا رقابة. ومن خلال هذا البيان لحقيقة عملة “البتكوين” (Bitcoin) يتَّضحُ أنها ليست العملةَ الوحيدةَ التي تجري في سوق صرف العملات، بل هذه السوق مجالٌ لاستخدام هذه العملة ونظائرها من عملات أخرى غيرها تندرج تحت اسم “العملات الإلكترونية”.

وأشار إلى أن الصورة الغالبة في إصدار هذه العملة أنها تستخرج من خلال عملية يُطلق عليها “تعدين البتكوين” (Bitcoin Mining)، حيث تعتمد في مراحلها على الحواسب الإلكترونية ذات المعالجات السريعة عن طريق استخدام برامج معينة مرتبطة بالشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت)، وتُجرى من خلالها جملة من الخطوات الرياضية المتسلسلة والعمليات الحسابية المعقدة والموثقة؛ لمعالجة سلسلة طويلة من الأرقام والحروف وخَزْنها في مَحَافِظَ (تطبيقات) إلكترونية بعد رقْمنتها بأكواد خاص، وكلما قَوِيت المعالجةُ وعَظُمَت زادت حصةُ المستخدم منها وفق سقفٍ مُحَدَّدٍ للعدد المطروح للتداول منها.

وتتم عملياتُ تداول هذه العملة من محفظةٍ إلى أخرى دون وسيطٍ أو مراقبٍ من خلال التوقيع الرقمي عن طريق إرسال رسالة تحويل مُعَرَّف فيها الكود الخاص بهذه العملة وعنوان المُستلم، ثم تُرْسل إلى شبكة “البتكوين” حتى تكتملَ العمليةُ وتُحْفَظَ فيما يُعرف بسلسلة البلوكات (Block Chain)، من غير اشتراط للإدلاء عن أي بيانات أو معلومات تفصح عن هوية المتعامل الشخصية.

وهذه الوحدات الافتراضية غيرُ مغطَّاةٍ بأصولٍ ملموسةٍ، ولا تحتاج في إصدارها إلى أي شروطٍ أو ضوابطَ، وليس لها اعتمادٌ ماليٌّ لدى أيِّ نظامٍ اقتصادي مركزي، ولا تخضعُ لسلطات الجهات الرقابية والهيئات المالية؛ لأنها تعتمدُ على التداول عبر الشبكة العنكبوتية الدولية (الإنترنت) بلا سيطرة ولا رقابة.

قلتُ (هاني): أوافق على هذا التصور الفني لعمل البتكوين فهو صحيح بالجملة.

وأكد مفتي الجمهورية أنه استعان بعدد من الخبراء وأهل الاختصاص وعلماء الاقتصاد في عدة اجتماعات من أجل التوصل إلى حقيقة هذه المسألة ومدى تأثيرها على الاقتصاد، لافتًا إلى أن أهم نتائج النقاش معهم تلخصت في هذه النقاط:

1. أن عملة البتكوين تحتاجُ إلى دراسةٍ عميقةٍ لتشعبها وفنياتها الدقيقة؛ كشأن صور العملات الإلكترونية المتاحة في سوق الصرف، إضافة إلى الحاجة الشديدة لضبط شروط هذه المعاملة والتكييف الصحيح لها.

قلتُ (هاني): مرحلة الدراسة تكون سابقة على مرحلة الحكم الشرعي، فإن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، و الدراسة هي مرحلة التصور الفني و بناء عليها يكون الحكم الشرعي.

2. أن من أهم سمات سوقِ صرفِ هذه العملات الإلكترونية التي تميزها عن غيرها من الأسواق المالية أنها أكثرُ هذه الأسواق مخاطرةً على الإطلاق؛ حيث ترتفع نسبةُ المخاطرة في المعاملات التي تجري فيها ارتفاعًا يصعب معه -إن لم يكن مستحيلًا- التنبؤ بأسعارها وقيمتها؛ حيث إنها متروكةٌ لعوامِلَ غيرِ منضبطةٍ ولا مستقِرَّة، كأذواق المستهلكين وأمزجتهم، مما يجعلها سريعةَ التقلُّب وشديدةَ الغموضِ ارتفاعًا وهبوطًا.

وهذه التقلبات والتذبذبات غير المتوقَّعة في أسعار هذه العملات الإلكترونية تجعلُ هناك سمة لها هي قرينة السمة السابقة؛ فعلى الرغم من كون هذه السوق هي أكبرَ الأسواقِ المالية مخاطَرَةً، فهي أيضًا أعلاها في معدلات الربح، وهذه السمة هي التي يستعملها السماسرة ووكلاؤهم في جذْب المتعاملين والمستثمرين لاستخدام هذه العملات، مما يؤدي إلى إضعاف قدرة الدول على الحفاظ على عملتها المحلية والسيطرة على حركة تداول النقد واستقرارها وصلاحيتها في إحكام الرقابة، فضلًا عن التأثير سلبًا بشكل كبير على السياسة المالية بالدول وحجم الإيرادات الضريبية المتوقعة، مع فتح المجال أمام التهرُّب الضريبي.

قلتُ (هاني): التهرب الضريبي و المحافظة على حجم الإيرادات الضريبية للدولة هو علةٌ لا تصلحُ أن يناط بها أي حكم شرعي، فضلاً عن حماية النظام الضريبي، و لعل الضرائب الجائرة هي أحد أسباب ظهور عملة البت كوين للخروج عن ظلم الحكومات بأكل أموال الناس بالباطل في صورة ضرائب، و عامة الضرائب المفروضة في النظم الرأسمالية هى ضرائب جائرة، حرمتها شريعة الإسلام، و هي من المَّكوس المُتوعد صاحبها بنار جهنم، كما عند الدارمي (1708) ، و أبي داوود (2937) ، و أحمد ( 17294 ، 17354) ، عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ ” ، و في مسند أحمد ( 17001) عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عن رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ قال إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” إِنَّ صَاحِبَ الْمَكْسِ فِي النَّارِ “.

و لمزيد بيان في مسألة الضرائب يمكن مراجعة مقالي في حكم المكوس و الضرائب و الجمارك و الرسوم…!

3.  أن التعامل بهذه العملة بالبيع أو الشراء وحيازتها يحتاجُ إلى تشفير عالي الحماية، مع ضرورة عمل نسخ احتياطية منها من أجل صيانتها من عمليات القرصنة والهجمات الإلكترونية لفَكِّ التشفير، وحرزها من الضياع والتعرُّض لممارسات السرقة أو إتلافها من خلال إصابتها بالفيروسات الخطيرة، مما يجعلها غيرَ متاحةِ التداول بين عامَّة الناس بسهولة ويسر، كما هو الشأن في العملات المعتبرة التي يُشترط لها الرواج بين العامَّة والخاصَّة.

4. أنه لا يُوصَى بها كاستثمار آمن؛ لكونها من نوع الاستثمار عالي المخاطر، حيث يتعامل فيها على أساس المضاربة التي تهدف لتحقيق أرباح غير عادية من خلال تداولها بيعًا أو شراءً، مما يجعل بيئتها تشهد تذبذبات قوية غير مبررة ارتفاعًا وانخفاضًا، فضلًا عن كون المواقع التي تمثل سجلات قيد أو دفاتر حسابات لحركة التعامل بهذه العملة بالبيع أو الشراء غير آمنة بَعْدُ؛ لتكرار سقوطها من قِبل عمليات الاختراق وهجمات القرصنة التي تستغل وجود نقاط ضعف عديدة في عمليات تداولها أو في محافظها الرقمية، مما تسبب في خسائر مالية كبيرة.

5. أن مسئولية الخطأ يتحملها الشخص نفسه تجاه الآخرين، وربما تؤدي إلى خسارة رأس المال بالكامل، بل لا يمكن استرداد شيء من المبالغ المفقودة جرَّاء ذلك غالبًا، بخلاف الأعراف والتقاليد البنكية المتبعة في حماية المتعامل بوسائلِ الدفع الإلكتروني التي تجعل البنوك عند الخلاف مع المستثمر حريصةً على حل هذا النزاع بصورة تحافظ على سمعتها البنكية.

6. أن لها أثرًا سلبيًّا كبيرًا على الحماية القانونية للمتعاملين بها من تجاوزِ السماسرة أو تعدِّيهم أو تقصيرهم في ممارسات الإفصاح عن تفاصيلِ تلك العمليات والقائمين بها، وتسهيل بيع الممنوعات وغسل الأموال عبر هؤلاء الوسطاء، فأغلب الشركات التي تمارس نشاط تداول العملات الإلكترونية تعملُ تحت غطاء أنشطة أخرى؛ لأن هذه المعاملةَ غيرُ مسموحٍ بها في كثير من الدول.

وأضاف فضيلة المفتي أنه بناءً على ما سبق فإنه لا يمكنُ اعتبارُ هذه العملة الافتراضية وسيطًا يصحُّ الاعتمادُ عليه في معاملات الناس وأمور معايشهم؛ لفقدانها الشروطَ المعتبرةَ في النقود والعملات؛ حيث أصابها الخللُ الذي يمنع اعتبارها سلعةً أو عملةً: كعدم رواجها رواجَ النقود، وعدمِ صلاحيتها للاعتماد عليها كجنس من أجناس الأثمان الغالبة التي تُتخَذُ في عملية “التقييس” بالمعنى الاقتصادي المعتبر في ضبط المعاملات والبيوع المختلفة والمدفوعات الآجلة من الديون، وتحديد قيم السلع وحساب القوة الشرائية بيسر وسهولة، وعدم إمكانية كَنْزها للثروة واختزانها للطوارئ المحتملة مع عدم طريان التغيير والتلف عليها؛ فضلًا عن تحقق الصورية فيها بافتراض قيمة اسمية لا وجود حقيقي لها مع اختلالها وكونها من أكثرِ الأسواق مخاطرة على الإطلاق.

قلتُ (هاني): لا أدري ما معنى هذا الكلام ” أصابها الخللُ الذي يمنع اعتبارها سلعةً أو عملةً ” ، فهي أما أن تكون عُملة و إما أن تكون سلعة و لا ثالث لتلك القسمة! ، فهي أما ثمنٌ أو مُثمنٌ و لا شيء أخر! أما ترديدها بينهما فهو خلل في التصور، لأن للعملة أحكام في الشرع تخالف أحكام السلع، و ذلك في ما يخص أحكام الصرف و التقابض و السلم و الربا و الإجارة … إلى أخره ، لذلك كان يجب التدقيق و البت في ماهية البت كوين هل عي عملة أم سلعة، ثم بناء الحكم الشرعي على ما ترجح منهما.

و كذلك فإن الشروط المذكورة و المعتبرة في النقود و العملات، تنطبق بوجه من الوجوه على البت كوين، خلافاً لما ذُكر، فالبت كوين يمكن رواجها رواج النقود، و هي قياسية محدودة، و لها سعر صرف أمام كل العملات، و يمكن كنزها، أما عن الصورية و كونها غير مرئية، فهو غير مؤثر في اعتبارها عُملة ” وَأَمَّا الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ فَمَا يُعْرَفُ لَهُ حَدٌّ طَبْعِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ بَلْ مَرْجِعُهُ إلَى الْعَادَةِ وَالِاصْطِلَاحِ” كما قال شيخ الإسلام بن تيمية طيب الله ثراه.

و العجيب في الأمر هو الإشارة للبت كوين بعملة البت كوين في عنوان الفتوى و صدر المقال في أكثر من موضع، فهل هو ترجيح لكونها عُملة أم هو تسمية للشيء بما هو متعارف عليه! فكان يجب التدقيق في هذه المسالة لأن لها أثرٌ كبيرٌ في الحكم الشرعي على البت كوين.

كما يفترق هذا النوع من العملات عن وسائل الدفع الإلكترونية -ككارت الائتمان، وبطاقات الخصم المباشر- بعدم ارتباطه بحسابات بنكية دائنة أو مَدِينَة، وأنه يقوم على أساسٍ مُنْفَصلٍ عن النظام النقدي المعتمَد في أغلب دول العالم، وأنه تتحدَّد قيمتُه بناءً على حجم المضاربات وإقبال الناس على تداول هذه العملة والتعامل بها فيما بينهم كبديل للنقود العادية؛ التماسًا للاستفادة من مزاياها؛ حيث إنه لا يَغْرَم المتعامل بها أي رسوم أو مصروفات على عمليات التحويل، ولا يخضع لأي قيود أو رقابة، فضلًا عن صعوبة تجميدها أو مُصادرتها.

وأضاف أنه لم تتوافر في عملة البتكوين الشروطُ والضوابطُ اللازمةُ في اعتبار العملة وتداولها، وإن كانت مقصودةً للربح أو الاستعمال والتداول في بعض الأحيان، إلا أنها مجهولةٌ غير مرئيةٍ أو معلومةٍ مع اشتمالها على معاني الغش الخفيِّ والجهالة في معيارها ومَصْرِفها، مما يُفْضي إلى وقوع التلبيس والتغرير في حقيقتها بين المتعاملين؛ فأشبهت بذلك النقودَ المغشوشة ونفاية بيت المال، وبيع تراب الصاغة وتراب المعدن، وغير ذلك من المسائلِ التي قرَّر الفقهاءُ حرمةَ إصدارِها وتداولها والإبقاء عليها وكنزها؛ لعدم شيوع معرفتها قدرًا ومعيارًا ومَصْرفًا، ولما تشتمل عليه من الجهالة والغش، وذلك يدخلُ في عموم ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((من غشَّنا فليس مِنَّا)).

قلتُ (هاني): كما سبق كون البت كوين “مجهولة غير مرئية أو معلومة” ، فهو غير مؤثر في اعتبارها عُملة، أما قياس البت كوين على “النقودَ المغشوشة ونفاية بيت المال، وبيع تراب الصاغة وتراب المعدن” بجامع علة “عدم شيوع معرفتها قدرًا ومعيارًا ومَصْرفًا ولما تشتمل عليه من الجهالة والغش” فهو قياس مع الفارق، فالبت كوين يمكن معرفة سعر صرفها في أي وقت من الأوقات، و هي معلومة القدر و المعيار، إلا أن الجهالة ناتجة عن تذبذب سعرها السريع و ليس من عدم امكانية قياسها و معرفة سعر صرفها! 

هذا، بالإضافة إلى أن التعامُلَ بهذه العملة يترتَّبُ عليه أضرارٌ شديدةٌ ومخاطرُ عاليةٌ؛ لاشتماله على الغرر والضرر في أشد صورهما:

والغرر هو: (ما انطوت عنا عاقبته أو تردَّد بين أمرين أغلبهما أخوفهما)، كما عرَّفه العلامة البجيرمي الشافعي في “حاشيته على الإقناع” (3/ 4، ط: دار الفكر).

  وقد اتفق الاقتصاديون وخبراء المال على أن هذه العملة وعقودها حَوَتْ أكبر قدر من الغرر في العملات والعقود المالية الحديثة على الإطلاق، مع أن شيوعَ مثلِ هذا النمط من العملات والممارسات الناتجة عنها يُخِلُّ بمنظومة العمل التقليدية التي تعتمدُ على الوسائطِ المتعددة في نقل الأموال والتعامل فيها كالبنوك، وهو في ذات الوقت لا يُنشِئُ عملة أو منظومة أخرى بديلة منضبطة ومستقرة، ويُضيِّق فرص العمل.

وأوضح أن هذه العمليات تُشْبِه المقامرة؛ فهي تؤدي وبشكل مباشر إلى الخراب المالي على مستوى الأفراد والجماعات والمؤسسات من إفساد العملات المتداولة المقبولة، وهبوط أسعارها في السوق المحلية والدولية، وانخفاض القيمة الشرائية لهذه العملات بما يؤثر سلبًا على حركة الإنتاج والتشغيل والتصدير والاستيراد.

وأما اشتمال هذه العملة والممارسات الناتجة عنها على الضرر، فأوضح مفتي الجمهورية أنه يتمثل في جهالة أعيان المتعاملين بها بالإضافة إلى تعدي تأثير التعامل بها اقتصاديًّا حيز التأثير على مدخرات الأفراد المتعاملين بهذه العملة إلى اقتصاديات الدول؛ حيث تقف الدولُ عاجزةً أمام الأضرارِ التي تقعُ على عملاتها من جرَّاء هذه الخسائرِ، بل يؤدي النظام الذي يُنَظِّم ممارسات استخدام هذه العملة حاليًّا إلى اتخاذها وسيلةً سهلةً لضمان موارد مالية مستقرة وآمنة للجماعات الإرهابية والإجرامية، وتيسير تمويل الممارسات المحظورة وإتمام التجارات والصفقات الممنوعة: كبيع السلاح والمخدرات، واستغلال المنحرفين للإضرار بالمجتمعات؛ نظرًا لكونه نظامًا مغلقًا يصعبُ خضوعُه للإشراف وعمليات المراقبة التي تخضع لها سائر التحويلات الأخرى من خلال البنوك العادية في العملات المعتمدة لدى الدول، والقاعدة الشرعية تقول أنه “لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ”.

وأشار إلى أن التعامُلَ بهذه العملة التي لا تعترف بها أغلب الدول، ولا تخضع لرقابة المؤسسات المصرفية بها والتي على رأسها البنوك المركزية المنوط بها تنظيم السياسة النقدية للدول وبيان ما يقبل التداول من النقود من عدمه -يجعل القائم به مفتئتًا على ولي الأمر الذي جَعلَ له الشرعُ الشريفُ جملةً من الاختصاصات والصلاحيات والتدابير ليستطيع أن يقومَ بما أُنيط به من المهام الخطيرة والمسئوليات الجسيمة. وجَعَل كذلك تطاولَ غيرِه إلى سَلْبِه شيئًا من هذه الاختصاصات والصلاحيات أو مزاحمته فيها من جملة المحظورات الشرعية التي يجبُ أن يُضرَب على يَد صاحبِها؛ حتى لا تشيعَ الفوضى، وكي يستقِرَّ النظامُ العامُّ، ويتحقَّقَ الأمنُ المجتمعيُّ المطلوب.

وشدد فضيلته على أن ضرْب العملةِ وإصدارها حقٌّ خالصٌ لولي الأمر أو من يقوم مقامه من المؤسسات النقدية، بل إنها من أخَصِّ وظائفِ الدولة حتى تكون معلومةً المصْرفِ والمعيارِ؛ ومن ثَمَّ يحصُل اطمئنانُ الناس إلى صلاحيتها وسلامتها من التزييف والتلاعب والتزوير سواء بأوزانها أو بمعيارها.

قلتُ (هاني): و هذا من التناقض و فساد التصور الذي أشرتُ إليه أنفاً، حيث قرر المُفتي أن البت كوين ليست عُملة، ثم هو يستدل على حُرمة اصدارها بأن ضرْب العملةِ وإصدارها حقٌّ خالصٌ لولي الأمر!! فذا الاستدلال يصح فقط بعد أن يكيف البت كوين على أنها عُملة و جنسٌ من النقد، كما بينتُ في بحثي سالف الذكر.

وهذا الذي استوعبه الفقهاءُ من الشَّرع الشريف وطبَّقوه في فتاويهم وأحكامهم هو عينُ ما انتهى إليه التنظيمُ القانوني والاقتصادي للدول الحديثة؛ حيث عمدت القوانين إلى إعطاء سلطة إصدار النقد وبيان ما يقبل منه في التداول والتعامل بين مواطنيها ورعاياها تحت اختصاصات البنوك المركزية وتصرفاتها، وفق ضوابطَ مُحْكَمةٍ ومُشدَّدة من: طبْعها في مطابعَ حكوميةٍ، واستخدامِ ورق وحبر ورسومات مخصوصة، وفحصها لمعرفة التالف منها، ورقْمِها بأرقام مُسَلْسَلة.

وشدد فضيلته على أن استعمال هذه العملة في التداول يمسُّ من سلطة الدولة في الحفاظ على حركة تداول النقد بين الناس وضبط كمية المعروض منه، وينقص من إجراءاتها الرقابية اللازمة على الأنشطة الاقتصادية الداخلية والخارجية، مع فتح أبواب خلفية تسمح بالممارسات المالية الممنوعة، وذلك كلُّه من الافتيات على ولي الأمر الممنوع والمحرم؛ لأنه تَعَدٍّ على حقه بمزاحمته فيما هو له، وتَعَدٍّ على إرادة الأمة التي أنابت حاكمَها عنها في تدبير شئونها.

المركز الإعلامي بدار الإفتاء المصرية  1-1-2018م

قلتُ (هاني): علة قصر اصدار النقود على ولي الأمر من أهم علل تحريم البت كوين، لكونها من الافتيات على سُلطة ولي الأمر، و قد قال بذلك بعض السلف – كما بينتُ في بحثي السالف ذكره-، و منها:

قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع شرح المُهذب (11/6):

“قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُكْرَهُ أَيْضًا لِغَيْرِ الْإِمَامِ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وإن كَانَتْ خَالِصَةً لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ وَلِأَنَّهُ لا يؤمن فيه الغش وَالْإِفْسَادُ”

و قال أبو يعلى الفراء رحمه الله تعالى في الأحكام السُلطانية، ص 181:

“وقد قال أحمد، في رواية جعفر بن محمد ” لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان، لأن الناس إن رُخص لهم ركبوا العظائم”. فقد منع من الضرب بغير إذن سلطان لما فيه من الافتيات عليه.” 

كذلك لم يتعرض المفتي لمسألة هامة في بحث حُكم التعامل بالبت كوين، و هي مسألة “حُكم المخاطرة بالعُملة بالبيع والشراء بناء على توقع تقلبات الأسعار بغية الحصول على فارق الأسعار” – و هو عين مقصود التدوال في عُملة البت كوين و عامة العُملات المُشفرة – و كذلك بيان الفرق بين مجرد الصرف بين العُملات و الاتجار فيها للحاجة و بين المخاطرة بالعُملات و المضاربات السعرية فيها، سواء كانت العُملة مشفرة أو تقليدية غير مشفرة (مثل الدولار) ، فإن بيان حُرمة المضاربات السعرية دليل قوى على تحريم التعامل بالبت كوين لأن هذا هو المقصود الأول منها، و قد تعرضت لهذه المسألة بمزيد بيان في بحثي سالف الذكر و لله الحمد وحده.

و قد نشر موقع العربية خبراً في الثامن من يناير الجاري، عنوانه هل قمت باستخدام الـ Bitcoin لشراء منتج أو خدمة؟ جاء في صدر الخبر مايلي:

“رغم إطلاق البتكوين قبل ثمانية أعوام بهدف استخدامها كوسيلة للدفع، إلا أنها بالكاد تُستخدم لهذا الغرض وإنما من أجل تحقيق المكاسب. ويبقى سؤال المرحلة لكل من يمتلك عملة البتكوين، هل قمت باستخدام العملة الرقمية أو حتى فكرت باستخدامها لشراء منتج أو خدمة؟

والإجابة واضحة وهي أن البتكوين يتم استخدامها من قبل المضاربين فقط لزيادة ثرواتهم وليس كوسيلة لتبادل الدفعات، باستثناء دول مثل فنزويلا التي تعاني من معدلات تضخم هائلة، ما يجعل المخاطر حيال العملة المحلية أعلى من تلك على البتكوين.

وبحسب مورغان ستانلي، فإن استخدام العملة الرقمية للتجارة عبر الإنترنت أمر إن لم يكن معدوما، فهو قريب من الصفر ويتقلص.”

وهذا يشهد إلى ما ذهبتُ إليه من أن مقصود تداول هذه العُملة هو المضاربات السعرية، و هو قصد فاسد على خلاف مقصود الشرع من العُملة كونها وسيطاً للتبادل و ليست مقصودة لذاتها، و لقد بينتُ ذلك كله في بحثي، و لله الحمد و المنة و أسأله وحده السداد و القبول.

و إلى هنا أضع قلم التعليق على هذه الفتوى، و لله الحمد أولاً و أخراً وصل اللهم على محمد و على آله و صحبه و سلم تسليماً كثيراً.

هاني حلمي

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s