خلاصة فوائد رسالة “التحفة العراقية في الأعمال القلبية” لشيخ الإسلام بن تيمية

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،

هذه فوائد علقتها لنفسي من الرسالة الموسومة بالتحفة العراقية في الأعمال القلبية، كتبها على عُجالة شيخ الإسلام بن تيمية الحراني رحمه الله تعالى، وهي رسالة مختصرة أجاب فيها الشيخ سائلاً من العراق -على ما يظهر من التسمية- عن أعمال القلوب، فكانت هذه الرسالة النفيسة.

وموضوع الرسالة عن أعمال القلوب والتي تسمى المقامات و الأحوال، وتكلم فيها رحمه الله عن محبة الله ورسوله، والتوكل على الله وإخلاص الدّين لَهُ وَالشُّكْر لَهُ وَالصَّبْر على حكمه وَالْخَوْف مِنْهُ والرجاء لَهُ وعبادته سبحانه والاستعانة به والحمد والشكر والزهد والورع والرضا والصبر…، ثم أرجع الشيخ كل المقامات والأحوال إلى أصل واحد وهو محبة الله عز وجل.

و في أثناء ذلك ذكر الظلم والبدعة والحزن والكرامة والاتحاد والحلول والفناء والخُلة وأنواع السَّماع، وتكلم عن المجاز وعن فتنة المتكلمين به…

ولقد حافظت على كلام شيخ الإسلام كما هو كما في نسخة الشاملة، وإن أُشكل عليّ شيءٌ من المعنى أو وجدتُ تصحيفاً راجعته مع النسخة المنشورة بتحقيق الشيخ يحيى بن محمد بن عبد الله الهنيدي، ثم أُثبت المعنى الواضح، وهذه خلاصة الفوائد:

(1) فَهَذِهِ كَلِمَات مختصرة فِي أَعمال الْقُلُوب الَّتِي تسمى المقامات وَالْأَحْوَال وَهِي من أصُول الايمان وقواعد الدّين مثل محبَّة الله وَرَسُوله والتوكل على الله وإخلاص الدّين لَهُ وَالشُّكْر لَهُ وَالصَّبْر على حكمه وَالْخَوْف مِنْهُ والرجاء لَهُ…فَأَقُول هَذِه الْأَعْمَال جَمِيعهَا وَاجِبَة على جَمِيع الْخلق.

(2) وَالنَّاس فِي هَذَا على ثَلَاث دَرَجَات كَمَا هم فِي أَعمال الْأَبدَان على ثَلَاث دَرَجَات ظَالِم لنَفسِهِ ومقتصد وسابق بالخيرات فالظالم لنَفسِهِ العَاصِي بترك مَأْمُور وَفعل مَحْظُور والمقتصد الْمُؤَدِّي الْوَاجِبَات والتارك الْمُحرمَات وَالسَّابِق بالخيرات المتقرب بِمَا يقدر عَلَيْهِ من وَاجِب ومسنون والتارك للْمحرمِ وَالْمَكْرُوه وَإِن كَانَ كل من المقتصد وَالسَّابِق قد تكون لَهُ ذنُوب تمحى عَنهُ بتوبة وَالله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين إِمَّا بحسنات ماحية وَإِمَّا بمصائب مفكرة وَإِمَّا بِغَيْر ذَلِك وكل من الصِّنْفَيْنِ الْمُقْتَصِدِينَ والسابقين من أَوْلِيَاء الله الَّذِي ذكرهم فِي كِتَابه.

(3) و أمَا الظَّالِم لنَفسِهِ من أهل الْإِيمَان فَفِيهِ من ولَايَة الله بِقدر إيمَانه وتقواه كَمَا مَعَه من ضد ذَلِك بِقدر فجوره فالشخص الْوَاحِد قد تَجْتَمِع فِيهِ الْحَسَنَات الْمُقْتَضِيَة للثَّواب والسيئات الْمُقْتَضِيَة للعقاب حَتَّى يُمكن أَن يُثَاب ويعاقب وَهَذَا قَول أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأئمة الْإِسْلَام وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة…

(4)  من كَانَ مَعَه إِيمَان حَقِيقِيّ فَلَا بُد أَن يكون مَعَه من هَذِه الْأَعْمَال بِقدر إيمَانه وَإِن كَانَ لَهُ ذنُوب [ ثم ساق حديث حمار في البخاري ثم قال] فَهَذَا بَين أَن المذنب بِالشرابِ وَغَيره قد يكون محبا لله وَرَسُوله وَحب الله رَسُوله أوثق عرى الْإِيمَان كَمَا أَن العابد الزَّاهِد قد يكون لما فِي قلبه من بِدعَة ونفاق مسخوطا عِنْد الله وَرَسُوله من ذَلِك الْوَجْه [وذكر حديث عبادة الخوارج]

(5) قَالَ أَئِمَّة الْمُسلمين كسفيان الثَّوْريّ أَن الْبِدْعَة أحب إِلَى إِبْلِيس من الْمعْصِيَة لِأَن الْبِدْعَة لَا يُتَاب مِنْهَا وَالْمَعْصِيَة يُتَاب مِنْهَا وَمعنى قَوْلهم أَن الْبِدْعَة لَا يُتَاب مِنْهَا أَن المبتدع الَّذِي يتَّخذ ديناً لم يشرعه الله وَرَسُوله قد زُين لَهُ سوءُ عمله فَرَآهُ حسناً فَهُوَ لَا يَتُوب مَا دَامَ يرَاهُ حسنا لِأَن أول التَّوْبَة الْعلم بِأَن فعله سيء ليتوب مِنْهُ أَو أَنه ترك حسنا مَأْمُورا بِهِ أَمر إِيجَاب أَو أَمر اسْتِحْبَاب ليتوب ويفعله فَمَا دَامَ يرى فعله حسنا وَهُوَ سيء فِي نفس الْأَمر فَإِنَّهُ لَا يَتُوب وَلَكِن التَّوْبَة مُمكنَة وواقعه بِأَن يهديه الله ويرشده حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ الْحق كَمَا هدى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من هدى من الْكفَّار والمافقين وَطَوَائِف أهل الْبدع والضلال وَهَذَا يكون بِأَن يتبع من الْحق مَا علمه فَمن عمل بِمَا علم أورثه الله علم مَا لم يعلم…

(6) وَكَذَلِكَ من أعرض عَن اتِّبَاع الْحق الَّذِي يعلمهُ تبعاً لهواه فَإِن ذَلِك يورثه الْجَهْل والضلال حَتَّى يعمى قلبه عَن الْحق الْوَاضِح…وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من السّلف كسعيد بن جُبَير إِن من ثَوَاب الْحَسَنَة الْحَسَنَة بعْدهَا وَإِن من عُقُوبَة السَّيئَة السَّيئَة بعْدهَا.

(7) والصدق وَالْإِخْلَاص هما تَحْقِيق الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فَإِن المظهرين الْإِسْلَام ينقسمون إِلَى مُؤمن ومنافق فالفارق بَين الْمُؤمن وَالْمُنَافِق هُوَ الصدْق.

(8) وَلِهَذَا كَانَ قوام الدّين بِكِتَاب يهدي وَسيف ينصر وَكفى بِرَبِّك هاديا ونصيرا وَالْكتاب وَالْحَدِيد وَإِن اشْتَركَا فِي الْإِنْزَال فَلَا يمْنَع أَن يكون أَحدهمَا نزل من حَيْثُ لم ينزل الآخر.

(9) وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعرف أَن الصدْق والتصديق يكون فِي الْأَقْوَال والأعمال…وَلِهَذَا يُرَاد بالصادق الصَّادِق فِي إِرَادَته وقصده وَطَلَبه وَهُوَ الصَّادِق فِي عمله ويريدون الصَّادِق فِي خَبره وَكَلَامه وَالْمُنَافِق ضد الْمُؤمن الصَّادِق وَهُوَ الَّذِي يكون كَاذِبًا فِي خَبره أَو كَاذِبًا فِي عمله كالمرائي فِي عمله.

(10) وَأما الْإِخْلَاص فَهُوَ حَقِيقَة الْإِسْلَام إِذْ الْإِسْلَام هُوَ الاستسلام لله لَا لغيره…فَمن لم يستسلم لَهُ فقد استكبر وَمن استسلم لله وَلغيره فقد أشرك وكل من الْكبر والشرك ضد الْإِسْلَام وَالْإِسْلَام ضد الشّرك وَالْكبر وَذَلِكَ فِي الْقُرْآن كثير وَلِهَذَا كَانَ الْإِسْلَام شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَهِي متضمنة عبَادَة الله وَحده وَترك عبَادَة مَا سواهُ وَهُوَ الْإِسْلَام الْعَام الَّذِي لَا يقبل الله من أحد من الْأَوَّلين والآخرين دينا سواهُ…وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا مِمَّا يبين أَن أصل الدّين فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْأُمُور الْبَاطِنَة من الْعُلُوم والأعمال وَأَن الْأَعْمَال الظَّاهِرَة لَا تَنْفَع بِدُونِهَا.

(11) وَهَذِه الْأَعْمَال الْبَاطِنَة كمحبة الله وَالْإِخْلَاص لَهُ والتوكل عَلَيْهِ وَالرِّضَا عَنهُ وَنَحْو ذَلِك كلهَا مَأْمُور بهَا فِي حق الْخَاصَّة والعامة لَا يكون تَركهَا مَحْمُودًا فِي حَال وَاحِد وَإِن ارْتقى مقَامه.

(12) وَأما الْحزن فَلم يَأْمر الله بِهِ وَلَا رَسُوله بل قد نهى عَنهُ فِي مَوَاضِع وَإِن تعلق أَمر الدّين بِهِ…وَذَلِكَ أَنه لَا يجلب مَنْفَعَة وَلَا يدْفع مضرَّة وَلَا فَائِدَة فِيهِ ومالا فَائِدَة فِيهِ لَا يَأْمر الله بِهِ نعم لَا يَأْثَم صَاحبه إِذا لم يقْتَرن بحزنه محرم كَمَا يحزن على المصائب… وَقد يقْتَرن بالحزن مَا يُثَاب صَاحبه عَلَيْهِ ويحمد عَلَيْهِ وَيكون مَحْمُودًا من تِلْكَ الْجِهَة لَا من جِهَة الْحزن كالحزين على مُصِيبَة فِي دينه وعَلى مصائب الْمُسلمين عُمُوما فَهَذَا يُثَاب على مَا فِي قلبه من حب الْخَيْر وبغض الشَّرّ وتوابع ذَلِك وَلَكِن الْحزن على ذَلِك إِذا أفْضى إِلَى ترك مَأْمُور من الصَّبْر وَالْجهَاد وجلب مَنْفَعَة وَدفع مضرَّة نُهى عَنْه وَإِلَّا كَانَ حسب صَاحبه رفع الْإِثْم عَنهُ من جِهَة الْحزن وَأما إِن أفْضى إِلَى ضعف الْقلب واشتغاله بِهِ عَن فعل مَا أَمر الله وَرَسُوله بِهِ كَانَ مذموما عَلَيْهِ من تِلْكَ الْجِهَة وَإِن كَانَ مَحْمُودًا من جِهَة أُخْرَى.

(13) وَأما الْمحبَّة لله والتوكل وَالْإِخْلَاص لَهُ وَنَحْو ذَلِك فَهَذِهِ كلهَا خير مَحْض وَهِي حَسَنَة محبوبة فِي حق كل النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَمن قَالَ إِن هَذِه المقامات تكون للعامة دون الْخَاصَّة فقد غلط فِي ذَلِك إِن أَرَادَ خُرُوج الْخَاصَّة عَنْهَا فَإِن هَذِه لَا يخرج عَنْهَا مُؤمن قطّ وَإِنَّمَا يخرج عَنْهَا كَافِر ومنافق.

(14) فَإِن التَّوَكُّل أَعم من التَّوَكُّل فِي مصَالح الدُّنْيَا فَإِن المتَوَكل يتوكل على الله فِي صَلَاح قلبه وَدينه وَحفظ لِسَانه وإرادته وَهَذَا أهم الْأُمُور إِلَيْهِ وَلِهَذَا يُنَاجِي ربه فِي كل صَلَاة بقوله {إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين} كَمَا فِي قَوْله {فاعبده وتوكل عَلَيْهِ} وَقَوله {عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب} فَهُوَ قد جمع بَين الْعِبَادَة والتوكل فِي عدَّة مَوَاضِع لِأَن هذَيْن يجمعان الدّين كُله.

(15) وَالْعِبَادَة هِيَ الْغَايَة الَّتِي خلق الله لَهَا الْعباد من جِهَة أَمر الله ومحبته وَرضَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون} وَبهَا أرسل الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَهِي اسْم يجمع كَمَال الذل ونهايته وَكَمَال الْحبّ لله ونهايته، فالحب الخلي عَن ذل والذل الخلي عَن حب لَا يكون عبَادَة، وَإِنَّمَا الْعِبَادَة مَا يجمع كَمَال الْأَمريْنِ، وَلِهَذَا كَانَت الْعِبَادَة لَا تصلح إِلَّا لله وَهِي وَإِن كَانَت مَنْفَعَتهَا للْعَبد وَالله غَنِي عَنْهَا فَهِيَ لَهُ من جِهَة محبته لَهَا وَرضَاهُ بهَا…والتوكل والاستعانة للْعَبد لِأَنَّهُ هُوَ الْوَسِيلَة وَالطَّرِيق الَّذِي ينَال بِهِ مَقْصُوده ومطلوبه من الْعِبَادَة فالاستعانة كالدعاء وَالْمَسْأَلَة…

(16) والزهد الْمَشْرُوع هُوَ ترك الرَّغْبَة فِيمَا لَا ينفع فِي الدَّار الْآخِرَة وَهُوَ فضول الْمُبَاح الَّتِي لَا يستعان بهَا على طَاعَة الله كَمَا أَن الْوَرع الْمَشْرُوع هُوَ ترك مَا قد يضر فِي الدَّار الْآخِرَة وَهُوَ ترك الْمُحرمَات والشبهات الَّتِي لَا يسْتَلْزم تَركهَا ترك مَا فعله أرجح مِنْهَا كالواجبات فَأَما مَا ينفع فِي الدَّار الْآخِرَة بِنَفسِهِ أَو على مَا ينفع فِي الدَّار الْآخِرَة فالزهد فِيهِ لَيْسَ من الدّين…كَمَا أَن الِاشْتِغَال بِفُضُول الْمُبَاحَات هُوَ ضد الزّهْد الْمَشْرُوع فَإِن اشْتغل بهَا عَن وَاجِب اَوْ بِفعل محرم كَانَ عَاصِيا وَإِلَّا كَانَ منقوصا عَن دَرَجَة المقربين إِلَى دَرَجَة الْمُقْتَصِدِينَ.

(17) كَذَلِكَ قَول من قَالَ التَّوَكُّل وَالدُّعَاء لَا يجلب بِهِ مَنْفَعَة وَلَا يدْفع بِهِ مضرَّة وَإِنَّمَا هُوَ عبَادَة مَحْضَة وَإِن حَقِيقَة التَّوَكُّل بِمَنْزِلَة حَقِيقَة التَّفْوِيض الْمَحْض وَهَذَا وَإِن كَانَ قَالَه طَائِفَة من الْمَشَايِخ فَهُوَ غلط أَيْضا وَكَذَلِكَ قَول من قَالَ الدُّعَاء إِنَّمَا هُوَ عبَادَة مَحْضَة فَهَذِهِ الْأَقْوَال وَمَا أشبههَا يجمعها أصل وَاحِد وَهُوَ أَن هَؤُلَاءِ ظنُّوا أَن كَون الْأُمُور مقدرَة مقضية يمْنَع أَن يتَوَقَّف على أَسبَاب مقدرَة أَيْضا تكون من العَبْد وَلم يعلمُوا أَن الله سُبْحَانَهُ يقدر الْأُمُور ويقضيها بالأسباب الَّتِي جعلهَا معلقَة بهَا من أَفعَال الْعباد وَغير أفعالهم وَلِهَذَا كَانَ طور قَوْلهم يُوجب تَعْطِيل الْعمَّال بِالْكُلِّيَّةِ.

(18) وَقد جَاءَ هَذَا الْمَعْنى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عدَّة أَحَادِيث فَبين صلى الله عله وَسلم أَن تقدم الْعلم وَالْكتاب بالسعيد والشقي لَا يُنَافِي أَن تكون سَعَادَة هَذَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة وشقاوة هَذَا بِالْأَعْمَالِ السَّيئَة فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يعلم الْأُمُور على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ يَكْتُبهَا فَهُوَ يعلم أَن السعيد يسْعد بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة والشقي يشقى بِالْأَعْمَالِ السَّيئَة … كِلَاهُمَا ميسر لما خلق لَهُ وَهُوَ مَا يصير إِلَيْهِ من مَشِيئَة الله الْعَامَّة الكونية.

(19) وَالله سُبْحَانَهُ قد بَين فِي كِتَابه فِي كل وَاحِدَة من الْكَلِمَات وَالْأَمر والإرادة وَالْإِذْن وَالْكتاب وَالْحكم وَالْقَضَاء وَالتَّحْرِيم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ ديني مُوَافَقَته لمحبة الله وَرضَاهُ وَأمره الشَّرْعِيّ وَمَا هُوَ كوني مُوَافَقَته لمشيئته الكونية…,الكوني الَّذِي لَا يخرج مِنْهُ شَيْء عَن مَشِيئَته وتكوينه وَأما الْكَلِمَات الدِّينِيَّة فقد خالفها الْكفَّار بمعصيته.

(20) وإنما الْكَرَامَة لُزُوم الاسْتقَامَة وَأَن الله لم يكرم عَبده بكرامة أعظم من مُوَافَقَته فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وَهُوَ طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وَهَؤُلَاء هم أَوْلِيَاء الله الَّذين قَالَ الله فيهم {أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ}.

(21) فَإِن الْحِرْص على مَا ينفع العَبْد هُوَ طَاعَة الله وعبادته إِذْ النافع لَهُ هُوَ طَاعَة الله وَلَا شَيْء أَنْفَع لَهُ من ذَلِك وكل مَا يستعان بِهِ على الطَّاعَة فَهُوَ طَاعَة وَإِن كَانَ من جنس الْمُبَاح.

(22) الاستعانة بِاللَّه والتوكل عَلَيْهِ واللجأ إِلَيْهِ وَالدُّعَاء لَهُ هِيَ الَّتِي تقوى العَبْد وتيسر عَلَيْهِ الْأُمُور، وَلِهَذَا قَالَ بعض السّلف من سره أَن يكون أقوى النَّاس فَليَتَوَكَّل على الله.

(23) وَمن لم يقف عِنْد أَمر الله وَنَهْيه فَلَيْسَ من الْمُتَّقِينَ.

(24) قَالَ طَائِفَة من الْعلمَاء الِالْتِفَات إِلَى الْأَسْبَاب شرك فِي التَّوْحِيد ومحو الْأَسْبَاب أَن تكون أسباباً نقص فِي الْعقل والإعراض عَن الْأَسْبَاب بِالْكُلِّيَّةِ قدح فِي الشَّرْع وَإِنَّمَا التَّوَكُّل الْمَأْمُور بِهِ مَا يجْتَمع فِيهِ مقتضي التَّوْحِيد وَالْعقل وَالشَّرْع.

(25) وَقد ذكر الله هَذِه الْكَلِمَة {حسبي الله} فِي جلب الْمَنْفَعَة تَارَة وَفِي دفع الْمضرَّة أُخْرَى.

(26) وَالرِّضَا والتوكل يكتنفان الْمَقْدُور فالتوكل قبل وُقُوعه والرضاء بعد وُقُوعه…وَأما مَا يكون قبل الْقَضَاء فَهُوَ عزم على الرِّضَا لَا حَقِيقَة الرضا.

(27) كُره للمرء أَن يتَعَرَّض للبلاء بِأَن يُوجب على نَفسه مَالا يُوجِبهُ الشَّارِع عَلَيْهِ بالعهد وَالنّذر وَنَحْو ذَلِك أَو يطْلب ولَايَة أَو يقدم على بلد فِيهِ طاعون… مِمَّا يَقْتَضِي أَن الْإِنْسَان لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يسْعَى فِيمَا يُوجب عَلَيْهِ أَشْيَاء فيبخل بِالْوَفَاءِ كَمَا يفعل كثير مِمَّن يعاهد الله عهودا على أُمُور وغالب هَؤُلَاءِ يبتلون بِنَقْض العهود.

(28) وَيَنْبَغِي أَن الْإِنْسَان إِذا ابتلى فَعَلَيهِ أَن يصبر وَيثبت وَلَا يكل حَتَّى يكون من الرِّجَال الْمُوفينَ القائمين بالواجبات وَلَا بُد فِي جَمِيع ذَلِك من الصَّبْر وَلِهَذَا كَانَ الصَّبْر وَاجِبا بِاتِّفَاق الْمُسلمين على أَدَاء الْوَاجِبَات وَترك الْمَحْظُورَات وَيدخل فِي ذَلِك الصَّبْر على المصائب عَن أَن يجزع فيها وَالصَّبْر عَن ابْتَاعَ أهواء النَّفس فِيمَا نهى الله عَنهُ.

(29) فَإِن الدّين كُله علم بِالْحَقِّ وَعمل بِهِ، فَالْعَمَل بِهِ لَا بُد فِيهِ من الصَّبْر، بل وَطلب علمه يحْتَاج إِلَى الصَّبْر…فالعلم النافع هُوَ أصل الْهدى وَالْعَمَل بِالْحَقِّ هُوَ الرشاد، وضد الأول هُوَ الضلال وضد الثَّانِي هُوَ الغي ، والضلال الْعَمَل بِغَيْر علم والغي اتِّبَاع الْهوى…فَلَا ينَال الْهدى إِلَّا بِالْعلمِ وَلَا ينَال الرشاد إِلَّا بِالصبرِ.

(30) وَأما الرِّضَا فقد تنَازع الْعلمَاء والمشايخ من أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد وَغَيرهم فِي الرضاء بِالْقضَاءِ هَل هُوَ وَاجِب أَو مُسْتَحبّ على قَوْلَيْنِ فعلى الأول يكون من أَعمال الْمُقْتَصِدِينَ وعَلى الثَّانِي يكون من أَعمال المقربين…ولم يَجِيء فِي الْقُرْآن إِلَّا مدح الراضين لَا إِيجَاب ذَلِك، وَهَذَا فِي الرِّضَا فِيمَا يَفْعَله الرب بِعَبْدِهِ من المصائب كالمرض والفقر والزلزال كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس} وَقَالَ {أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ مستهم البأساء وَالضَّرَّاء وزلولوا} فالبأساء فِي الْأَمْوَال، وَالضَّرَّاء فِي الْأَبدَان، والزلزال فِي الْقُلُوب وَأما الرِّضَا بِمَا أَمر الله بِهِ فأصله وَاجِب وَهُوَ من الايمان…وَهُوَ من تَوَابِع الْمحبَّة…وَأما الرِّضَا بالمنهيات من الْكفْر والفسوق والعصيان فَأكْثر الْعلمَاء يَقُولُونَ لَا يشرع الرِّضَا بهَا إِذْ هِيَ كَمَا لَا تشرع محبتها فَإِن الله سُبْحَانَهُ لَا يرضاها وَلَا يُحِبهَا وَإِن كَانَ قدرهَا وقضاها..وَهُوَ سُبْحَانَهُ قدر الْأَشْيَاء لحكمة فَهِيَ لاعْتِبَار تِلْكَ الْحِكْمَة محبوبة مرضية وَقد تكون فِي نَفسهَا مَكْرُوهَة ومسخوطة إِذْ الشَّيْء الْوَاحِد يجْتَمع فِيهِ وصفان يحب من أَحدهمَا وَيكرهُ من الآخر.

(31) والرضا وَإِن كَانَ من أَعمال الْقُلُوب فكماله هُوَ الْحَمد حَتَّى أن بَعضهم فسر الْحَمد بالرضاء وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْكتاب وَالسّنة حمد الله على كل حَال وَذَلِكَ يتَضَمَّن الرضا بقضائه…وَالرِّضَا وَالْحَمْد على الضراء يُوجِبهُ شَاهِدَانِ أَحدهمَا: علم العَبْد بِأَن الله سُبْحَانَهُ مستوجب لذَلِك مُسْتَحقّ لَهُ لنَفسِهِ فَإِنَّهُ أحسن كل شَيْء خلقه وأتقن كل شَيْء وَهُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم الْخَبِير الرَّحِيم، وَالثَّانِي: علمه بِأَن اخْتِيَار الله لعَبْدِهِ الْمُؤمن خير من اخْتِيَاره لنَفسِهِ.

(32) أخْبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن كل قَضَاء يَقْضِيه الله لِلْمُؤمنِ الَّذِي يصبر على الْبلَاء ويشكر على السَّرَّاء فَهُوَ خير لَهُ … فَأَما من لَا يصبر على الْبلَاء وَلَا يشْكر على الرخَاء فَلَا يلْزم أَن يكون الْقَضَاء خيراً لَهُ وَلِهَذَا أجبْت من أورد على هَذَا بِمَا يُقْضى على الْمُؤمن من الْمعاصِي بجوابين أَحدهمَا: أَن هَذَا إِنَّمَا يتَنَاوَل مَا اصاب العَبْد لَا مَا فعله العَبْد … وَالْجَوَاب الثَّانِي أَن هَذَا فِي حق الْمُؤمن الصبار الشكُور والذنُوب تنقص الْإِيمَان فَإِذا تَابَ العَبْد أحبه الله وَقد ترْتَفع دَرَجَته بِالتَّوْبَةِ.

(33) وَالْمُؤمن إِذا فعل سَيِّئَة فَإِن عُقُوبَته تنْدَفع عَنهُ بِعشْرَة أَسبَاب أَن يَتُوب فيتوب الله عَلَيْهِ فَإِن التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ أَو يسْتَغْفر فَيغْفر لَهُ أَو يعْمل حَسَنَات تمحوها فَإِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات أَو يَدْعُو لَهُ إخوانه الْمُؤْمِنُونَ ويشفعون لَهُ حَيا وَمَيتًا أَو يهْدُونَ لَهُ من ثَوَاب أَعْمَالهم لينفعه الله بِهِ أَو يشفع فِيهِ نبيه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو يَبْتَلِيه الله فِي الدُّنْيَا بمصائب تكفر عَنهُ أَو يَبْتَلِيه فِي البرزخ والصعقة فيكفر بهَا عَنهُ أَو يَبْتَلِيه فِي عرصات الْقِيَامَة من أهوالها بِمَا يكفر عَنهُ أَو يرحمه أرْحم الرَّاحِمِينَ فَمن أخطأته هَذِه الْعشْرَة فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه!

(34) فَإِن كَانَ الْمُؤمن يعلم أَن الْقَضَاء خير إِذا كَانَ صَابِرًا شكُورًا وَكَانَ قد استخار الله وَعلم أَن من سَعَادَة ابْن آدم استخارته لله وَرضَاهُ بِمَا قسم لَهُ كَانَ قد رضى بِمَا هُوَ خير لَهُ…ثمَّ إِذا كَانَ الْقَضَاء مَعَ الصَّبْر خيرا لَهُ فَكيف مَعَ الرِّضَا … وَلِهَذَا لم نؤمر بالحزن الْمنَافِي للرضا قطّ مَعَ أَنه لَا فَائِدَة فِيهِ فقد يكون مضرَّة لكنه يُعْفَى عَنهُ إِذا لم يقْتَرن بِهِ مَا يكرههُ الله لَكِن الْبكاء على الْمَيِّت على وَجه الرَّحْمَة حسن مُسْتَحبّ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الرِّضَا يخلاف الْبكاء عَلَيْهِ لفَوَات حَظه مِنْهُ.

(35) وَالنَّاس أَرْبَعَة اقسام مِنْهُم من يكون فِيهِ صَبر بقسوة وَمِنْهُم من يكون فِيهِ رَحْمَة بجزع وَمِنْهُم من يكون فِيهِ الْقَسْوَة والجزع وَالْمُؤمن الْمَحْمُود الَّذِي يصبر على مَا يُصِيبهُ وَيرْحَم النَّاس.

(36) وَقد فطن طَائِفَة من المصنفين فِي هَذَا الْبَاب أَن الرِّضَا عَن الله من تَوَابِع الْمحبَّة لَهُ وَهَذَا إِنَّمَا يتَوَجَّه على المأخذ الأول وَهُوَ الرِّضَا عَنهُ لاستحقاقه ذَلِك بِنَفسِهِ مَعَ قطع العَبْد النّظر عَن حَظه، بِخِلَاف المأخذ الثَّانِي وَهُوَ الرِّضَا لعلمه بِأَن الْمقْضِي خير لَهُ، ثمَّ إِن الْمحبَّة مُتَعَلقَة بِهِ وَالرِّضَا مُتَعَلق بِقَضَائِهِ، لَكِن قد يُقَال فِي تَقْرِير مَا قَالَ هَذَا المُصَنّف وَنَحْوه أن الْمحبَّة لله نَوْعَانِ محبَّة لَهُ نَفسه، ومحبة له لما منه من الاحسان ،وَكَذَلِكَ الْحَمد لَهُ نَوْعَانِ حمد لله على مَا يسْتَحقّهُ بِنَفسِهِ، وَحمد على إحسانه لعَبْدِهِ، فالنوعان للرضا كالنوعين للمحبة وَأما الرِّضَا بِهِ وبدينه وبرسوله فَذَلِك من حَظّ الْمحبَّة… وانظر (31).

(37) محبَّة الله وَرَسُوله من أعظم وَاجبَات الايمان وأكبر أصوله وَأجل قَوَاعِده، بل هِيَ أصل كل عمل من أَعمال الْإِيمَان وَالدّين، كَمَا أَن التَّصْدِيق أصل كل قَول من أَقْوَال الْإِيمَان وَالدّين، فَإِن كل حَرَكَة فِي الْوُجُود إِنَّمَا تصدر عَن محبَّة، إِمَّا عَن محبَّة محمودة اَوْ عَن محبَّة مذمومة، … فَجَمِيع الْأَعْمَال الايمانية الدِّينِيَّة لَا تصدر إِلَّا عَن الْمحبَّة المحمودة وأصل الْمحبَّة المحمودة هِيَ محبَّة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِذْ الْعَمَل الصَّادِر عَن محبَّة مذمومة عِنْد الله لَا يكون عملا صَالحا، بل جَمِيع الْأَعْمَال الإيمانية الدِّينِيَّة لَا تصدر إِلَّا عَن محبَّة الله فَإِن الله تَعَالَى لَا يقبل من الْعَمَل إِلَّا مَا أُرِيد بِهِ وَجهه…بل إخلاص الدّين لله هُوَ الدّين الَّذِي لَا يقبل الله سواهُ فَهُوَ الَّذِي بعث بِهِ الْأَوَّلين والآخرين من الرُّسُل وَانْزِلْ بِهِ جَمِيع الْكتب وَاتفقَ عَلَيْهِ أَئِمَّة أهل الْإِيمَان وَهَذَا هُوَ خُلَاصَة الدعْوَة النَّبَوِيَّة وَهُوَ قطب الْقُرْآن الَّذِي تَدور عَلَيْهِ رحاه.

(38) سُلْطَان الشَّيْطَان وإغواءه إِنَّمَا هُوَ لغير الملخصين … وَأَتْبَاع الشَّيْطَان هم أَصْحَاب النَّار.

(39) وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء} وَهَذِه الْآيَة فِي حق من لم يتب، وَلِهَذَا خصص الشّرك وَقيد مَا سواهُ بِالْمَشِيئَةِ، فَإِنَّهُ لَا يغْفر الشّرك لمن لم يتب مِنْهُ وَمَا دونه يغفره لمن يَشَاء، وَأما قَوْله {قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا} فَتلك فِي حق التائبين وَلِهَذَا عمم وَأطلق وَسِيَاق الْآيَة يبين ذَلِك مَعَ سَبَب نُزُولهَا.

(40) سورتي الْإِخْلَاص (قل يَا ايها الْكَافِرُونَ) وَ (قل هُوَ الله أحد) هَاتَانِ السورتان كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقْرَأ بهما فِي صَلَاة التَّطَوُّع كركعتي الطّواف وَسنة الْفجْر، وهما متضمنتان للتوحيد فَأَما قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ فَهِيَ متضمنة للتوحيد العملي الإرادي وَهُوَ إخلاص الدّين لله بِالْقَصْدِ والإرادة، وَهُوَ الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ مَشَايِخ التصوف غَالِبا، وَأما سُورَة قل هُوَ الله أحد فمتضمنة للتوحيد القولي العملي.

(41) ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة أَن رجلا كَانَ يقْرَأ قل هُوَ الله أحد فِي صلَاته فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سلوه لم يفعل ذَلِك فَقَالَ لِأَنَّهَا صفة الرَّحْمَن فَأَنا أحبها فَقَالَ أَخْبرُوهُ أَن الله يُحِبهُ وَلِهَذَا تَضَمَّنت هَذِه السُّورَة من وصف الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِي ينفى قَول أهل التعطيل وَقَول أهل التَّمْثِيل مَا صَارَت بِهِ هِيَ الأَصْل الْمُعْتَمد فِي مسَائِل الذَّات كَمَا قد بسطنا ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع وَذكرنَا اعْتِمَاد الْأَئِمَّة عَلَيْهَا مَعَ مَا تضمنته فِي تَفْسِير الْأَحَد كَمَا جَاءَ تَفْسِيره عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَا دلّ على ذَلِك من الدَّلَائِل.

لَكِن الْمَقْصُود هُنَا هُوَ التَّوْحِيد العملي وَهُوَ إخلاص الدّين لله وَإِن كَانَ أحد النَّوْعَيْنِ مرتبطا بِالْآخرِ فَلَا يُوجد أحد من اهل التعطيل الْجَهْمِية وَأهل التَّمْثِيل المشبهة إِلَّا وَفِيه نوع من الشّرك العملي إِذْ أصل قَوْلهم فِيهِ شرك وتسوية بَين الله وَبَين خلقه أَو بَينه وَبَين المعدومات كَمَا يسوى المعطلة بَينه وَبَين المعدومات فِي الصِّفَات السلبية الَّتِي لَا تَسْتَلْزِم مدحا وَلَا ثُبُوت كَمَال أَو يسوون بَينه وَبَين النَّاقِص من الموجودات فِي صِفَات النَّقْص وكما يسوون إِذْ أثبتوا هم وَمن ضاهاهم من الممثلة مُسَاوَاة بَينه وَبَين الْمَخْلُوقَات فِي حقائقها حَتَّى قد يعبدونها فيعدلون برَبهمْ ويجعلون لَهُ أندادا ويشبهون الملخوق بِرَبّ الْعَالمين.

وَالْيَهُود كثيرا مَا يعدلُونَ الْخَالِق بالملخوق ويمثلونه بِهِ حَتَّى يصفوا الله بِالْعَجزِ والفقر وَالْبخل وَنَحْو ذَلِك من النقائص الَّتِي يجب تنزيهه عَنْهَا وَهِي من صِفَات خلقه وَالنَّصَارَى يعدلُونَ الْمَخْلُوق بالخالق حَتَّى يجْعَلُوا فِي الْمَخْلُوق من نعوت الربوبية وصفات الإلهية ويجوزون لَهُ مَالا يصلح إِلَّا للخالق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد أمرنا أَن نَسْأَلهُ الْهِدَايَة بقوله اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْيَهُود مغضوب عَلَيْهِم وَالنَّصَارَى ضالون وَفِي هَذ الْأمة من هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لتتبعن سنَن من كَانَ قبلكُمْ حَذْو القذة بالقذة حَتَّى لَو دخلُوا جُحر ضَب لدخلتموه قَالُوا يَا رَسُول الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى قَالَ فَمن والْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ.

(42) فَإِذا كَانَ أصل الْعَمَل الديني هُوَ إخلاص الدّين لله وَحده فالشيء المُرَاد لنَفسِهِ هُوَ المحبوب لذاته وَهَذَا كَمَال الْمحبَّة لَكِن أَكثر مَا جَاءَ الْمَطْلُوب مُسَمّى باسم الْعِبَادَة…وأمثال هَذَا وَالْعِبَادَة تَتَضَمَّن كَمَال الْحبّ ونهايته وَكَمَال الذل ونهايته فالمحبوب الَّذِي لَا يعظم وَلَا يذل لَهُ لَا يكون معبودا والمعظم الَّذِي لَا يحب لَا يكون معبوداً.

(43) وَاسم الْمحبَّة فِيهِ إِطْلَاق وَعُمُوم فَإِن الْمُؤمن يحب الله وَيُحب رسله وأنبياءه وعباده الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَ ذَلِك من محبَّة الله وَإِن كَانَت الْمحبَّة الَّتِي لله لَا يَسْتَحِقهَا غَيره فَلهَذَا جَاءَت محبَّة الله مَذْكُورَة بِمَا يخْتَص بِهِ سُبْحَانَهُ من الْعِبَادَة والإنابة إِلَيْهِ والتبتل لَهُ وَنَحْو ذَلِك فَكل هَذِه الْأَسْمَاء تَتَضَمَّن محبَّة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثمَّ إِنَّه كَانَ بَين أَن محبته أصل الدّين فقد بَين أَن كَمَال الدّين بكمالها ونقصه بنقصها.

(44) فَإِن الْمحبَّة مستلزمة للْجِهَاد وَلِأَن الْمُحب يحب مَا يحب محبوبه وَيبغض مَا يبغض محبوبه ويوالي من يوالي محبوبه ويعادي من يعاديه ويرضى لرضاه ويغضب لغضبه وَيَأْمُر بِمَا يَأْمر بِهِ وَينْهى عَمَّا نهى عَنهُ فَهُوَ مُوَافق فِي ذَلِك وَهَؤُلَاء هم الَّذين يرضى الرب لرضاهم ويغضب لغضبهم إِذْ هم إِنَّمَا يرضون لرضاه ويغضبون لما يغْضب لَهُ.

(45) في الحديث القدسي {وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددي عَن قبض نفس عَبدِي الْمُؤمن يكره الْمَوْت وَأَنا أكره مساءته وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ} فَبين أَنه يتَرَدَّد لِأَن التَّرَدُّد تعَارض إرادتين، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يحب مَا يحب عَبده وَيكرهُ مَا يكرههُ وَهُوَ يكره الْمَوْت فَهُوَ يكرههُ، كَمَا قَالَ وَأَنا أكره مساءته، وَهُوَ سُبْحَانَهُ قد قضى بِالْمَوْتِ فَهُوَ يُرِيد أَن يَمُوت فَسمى ذَلِك ترددا، ثمَّ بَين أَنه لَا بُد من وُقُوع ذَلِك وَهَذَا اتِّحَاد فِي المحبوب المرضي الْمَأْمُور بِهِ والمبغض الْمَكْرُوه الْمنْهِي عَنهُ وَقد يُقَال لَهُ اتِّحَاد نَوْعي وصفي وَلَيْسَ ذَلِك اتِّحَاد الذاتين فَإِن ذَلِك مُمْتَنع وَالْقَائِل بِهِ كَافِر وَهُوَ قَول النَّصَارَى والغالية من الرافضة والنساك كالحلاجية وَنَحْوهم وَهُوَ الِاتِّحَاد الْمُقَيد فِي شَيْء بِعَيْنِه، وَأما الِاتِّحَاد الْمُطلق الَّذِي هُوَ قَول أهل وحدة الْوُجُود الَّذين يَزْعمُونَ أَن وجود الْمَخْلُوق هُوَ عين وجود الْخَالِق فَهَذَا تَعْطِيل للصانع وجحود لَهُ وَهُوَ جَامع لكل شرك، فَكَمَا أَن الِاتِّحَاد نَوْعَانِ فَكَذَلِك الْحُلُول نَوْعَانِ قوم يَقُولُونَ بالحلول الْمُقَيد فِي بعض الْأَشْخَاص وَقوم يَقُولُونَ بحلوله فِي كل شَيْء وهم الْجَهْمِية الَّذين يَقُولُونَ إِن ذَات الله فِي كل مَكَان.

(46) وَقد يَقع لبَعض المصطلمين من أهل الفناء فِي الْمحبَّة أَنه يغيب بمحبوبه عَن نَفسه وحبه ويغيب بمذكوره عَن ذكره وبمعروفه عَن مَعْرفَته وبموجوده عَن وجوده حَتَّى لَا يشْهد إِلَّا محبوبه فيظن فِي زَوَال تَمْيِيزه وَنقص عقله وسكره أَنه هُوَ محبوبه!…فَلَا ريب أَن هَذَا خطأ وضلال لَكِن إِن كَانَ هَذَا لِقَاء الْمحبَّة وَالذكر من غير أَن يحصل عَن سَبَب مَحْظُور زَالَ بِهِ عقله كَانَ مَعْذُورًا فِي زَوَاله فَلَا يكون مؤاخذا بِمَا يصدر مِنْهُ من الْكَلَام فِي هَذِه الْحَال الَّتِي زَالَ فِيهَا عقله بِغَيْر سَبَب مَحْظُور…وَأما إِذا كَانَ السَّبَب الَّذِي بِهِ زَوَال الْعقل مَحْظُورًا لم يكن السَّكْرَان مَعْذُورًا وَإِن كَانَ لَا يحكم بِكُفْرِهِ فِي اصح الْقَوْلَيْنِ كَمَا لَا يَقع طَلَاقه فِي أصح الْقَوْلَيْنِ وَإِن كَانَ النزاع فِيهِ مَشْهُورا.

(47) وَبِكُل حَال فالفناء الَّذِي يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى مثل هَذَا حَال ناقص، وَإِن كَانَ صَاحبه غير مُكَلّف [أي غير متكلف] وَلِهَذَا لم يرد مثل هَذَا عَن الصَّحَابَة الَّذين هم افضل الْأمة وَلَا عَن نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن كَانَ لهَؤُلَاء فِي صعق مُوسَى نوع تعلق وَإِنَّمَا حدث زَوَال الْعقل عِنْد الواردات الإلهية على بعض التَّابِعين وَمن بعدهمْ.

(48) والمحب التَّام لَا يُؤثر فِيهِ لوم اللائم وعذل العاذل بل ذَلِك يغريه بملازمة الْمحبَّة كَمَا قد اكثر الشُّعَرَاء فِي ذَلِك وَهَؤُلَاء هم أهل الملام الْمَحْمُود وهم الَّذين لَا يخَافُونَ من يلومهم على مَا يحب الله ويرضاه من جِهَاد أعدائه فَإِن الملام على ذَلِك كثير وَأما الملام على فعل مَا يكرههُ الله أَو ترك مَا أحبه فَهُوَ لوم بِحَق وَلَيْسَ من ذَلِك الْمَحْمُود الصَّبْر على هَذَا الملام بل الرُّجُوع إِلَى الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل وَبِهَذَا يحصل الْفرق بَين الملامية الَّذين يَفْعَلُونَ مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم فِي ذَلِك وَبَين الملامية الَّذين يَفْعَلُونَ مَا يبغضه الله وَرَسُوله ويصبرون على الملام فِي ذَلِك.

(49) وَإِذا كَانَت الْمحبَّة أصل كل عمل ديني فالخوف والرجاء وَغَيرهمَا يسْتَلْزم الْمحبَّة وَيرجع إِلَيْهَا فَإِن الراجي الطامع إِنَّمَا يطْمع فِيمَا يُحِبهُ لَا فِيمَا يبغضه والخائف يفر من الْخَوْف لينال المحبوب.

(50) قَالَ تعالى {إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله} وَرَحمته اسْم جَامع لكل خير، وعذابه اسْم جامع لكل شَرّ، وَدَار الرَّحْمَة الْخَالِصَة هِيَ الْجنَّة وَدَار الْعَذَاب الْخَالِص هِيَ النَّار، وَأما الدُّنْيَا فدار استدارج، فالرجاء وَإِن تعلق بِدُخُول الْجنَّة فالجنة اسْم جَامع لكل نعيم، وَأَعلاهُ النّظر إِلَى وَجه الله.

(51) والراجي الْخَائِف إِذا تعلق خَوفه ورجاؤه بالتعذب باحتجاب الرب عَنهُ والتنعم بتجليه له فمعلوم أَن هَذَا من تَوَابِع محبته لَهُ فالمحبة هِيَ أوجبت محبَّة التجلي وَالْخَوْف من الاحتجاب، وَإِن تعلق خَوفه ورجاؤه بالتعذب بمخلوق والتنعم بِهِ فَهَذَا إِنَّمَا يطْلب ذَلِك بِعبَادة الله المستلزمة محبته لله، وَهِي أحلى من كل محبَّة، وَلِهَذَا يكون اشْتِغَال أهل الْجنَّة بذلك أعظم من كل شَيْء كَمَا فِي الحَدِيث إِن اهل الْجنَّة يُلْهمُون التَّسْبِيح كَمَا تلهمون وَهُوَ يبين غَايَة تنعمهم بِذكر الله ومحبته فالخوف من التعذب بمخلوق والرجاء لَهُ يَسُوقهُ إِلَى محبَّة الله الَّتِي هِيَ الأَصْل وَهَذَا كُله يَنْبَنِي على أصل الْمحبَّة.

(52) وَأما الْأَعْمَال الَّتِي يُحِبهَا الله من الْوَاجِبَات والمستحبات الظَّاهِرَة والباطنة فكثيرة مَعْرُوفَة وَكَذَلِكَ حبه لأَهْلهَا وهم الْمُؤْمِنُونَ أَوْلِيَاء الله المتقون وَهَذِه الْمحبَّة حق كَمَا نطق بهَا الْكتاب وَالسّنة وَالَّذِي عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها وَأهل السّنة والْحَدِيث وَجَمِيع مَشَايِخ الدّين وأئمة التصوف أَن الله مَحْبُوب لذاته محبَّة حَقِيقَة بل هِيَ أكمل محبَّة فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله} وَكَذَلِكَ هُوَ سُبْحَانَهُ يحب مَا يحب عباده الْمُؤْمِنُونَ وَمَا هُوَ فِي الله محبَّة حَقِيقِيَّة.

(53) وَأنكر الْجَهْمِية حَقِيقَة الْمحبَّة من الطَّرفَيْنِ زعماً مِنْهُم أَن الْمحبَّة لَا تكون إِلَّا لمناسبة بَين الْمُحب والمحبوب وَأَنه لَا مُنَاسبَة بَين الْقَدِيم والمحدث توجب محبته وقاسوا بِهِ الْمحبَّة، وَكَانَ أول من أحدث هَذَا فِي الْإِسْلَام الْجَعْد بن دِرْهَم فِي أَوَائِل الْمِائَة الثَّانِيَة فضحى بِهِ خَالِد ابْن عبد الله الْقَسرِي أَمِير الْعرَاق والمشرق بواسط…فذبحه، فَكَأَنَّهُ قد أَخذ هَذَا الْمَذْهَب عَنهُ الجهم بن صَفْوَان فأظهره عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ أضيف قَول الْجَهْمِية فَقتله سلم ابْن أحوز أَمِير خُرَاسَان بهَا، ثمَّ نقل ذَلِك إِلَى الْمُعْتَزلَة أَتبَاع عَمْرو ابْن عبيد وَأظْهر قَوْلهم فِي زمن الْخَلِيفَة الْمَأْمُون حَتَّى امتحن أَئِمَّة الْإِسْلَام ودعوا إِلَى الْمُوَافقَة لَهُم عَن ذَلِك، وأصل هَذَا مَأْخُوذ عَن الْمُشْركين والصابئة من البراهمة والمتفسلفة ومبتدعة أهل الْكتاب الَّذين يَزْعمُونَ أَن الرب لَيْسَ لَهُ صِفَات ثبوتية أصلاً وَهَؤُلَاء هم أَعدَاء إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام وهم يعْبدُونَ الْكَوَاكِب ويبنون الهياكل للعقول والنجوم وَغَيرهمَا وهم يُنكرُونَ فِي الْحَقِيقَة أَن يكون إِبْرَاهِيم خَلِيلًا ومُوسَى كليماً، لأن الْخلَّة هِيَ كَمَال الْمحبَّة المستغرقة للحب كَمَا قيل قد تخللت مَسْلَك الرّوح مني وبذا سمى الْخَلِيل خَلِيلًا…

(54) الْخلَّة أخص من مُطلق الْمحبَّة بِحَيْثُ هِيَ من كمالها وتخللها الْمُحبّ حَتَّى يكون المحبوب بهَا محبوباً لذاته لَا لشَيْء آخر، إِذْ المحبوب لشَيْء غَيره هُوَ مُؤخر فِي الْمحبَّة عَن ذَلِك الْغَيْر، وَمن كمالها لَا تقبل الشّركَة والمزاحمة لتخللها المُحبّ، فَفِيهَا كَمَال التَّوْحِيد وَكَمَال الْحبّ، فالْخلَّة أَيْضا تنَافِي الْمُزَاحمَة أوَ تقدم الْغَيْر بِحَيْثُ يكون المحبوب محبوبا لذاته محبة لَا يزاحمه فِيهَا غَيره، وَهَذِه المحبَّة لَا تصلح إِلَّا لله فَلَا يجوز أَن يشركهُ غَيره فِيمَا يسْتَحقّهُ من المحبة، وَهُوَ مَحْبُوب لذاته وكل مَا يُحب غَيره إِذا كَانَ محبوباً بِحَق فَإِنَّمَا يُحب لأَجله، وكل مَا أحب لغيره فمحبته بَاطِلَة فِي الدُّنْيَا وَالدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ لله تَعَالَى

(55) الحب للبشر على طَبَقَات: أَحدهَا العلاقة فَهُوَ تعلق الْقلب بالمحبوب ثمَّ الصبابة وَهُوَ انصباب الْقلب إِلَيْهِ ثمَّ الغرام وَهُوَ الْحبّ اللَّازِم ثمَّ الْعِشْق وَآخر الْمَرَاتِب هُوَ التتيم وَهُوَ التَّعَبُّد للمحبوب والمتيم المُعبد، وتيم الله عبد الله، فَإِن الْمُحب يبْقى ذَاكِرًا معبدًا مذللاً لمحبوبه، وَأَيْضًا فاسم الإنابة إِلَيْهِ يَقْتَضِي الْمحبَّة أَيْضا وَمَا أشبه ذَلِك من الْأَسْمَاء كَمَا تقدم، وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الَّذِي قَالُوهُ حَقًا من كَون ذَلِك مجَازًا لما فِيهِ من الْحَذف والإضمار فالمجاز لَا يُطلق إِلَّا بِقَرِينَة تبين المُرَاد وَمَعْلُوم أَن لَيْسَ فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله مَا يَنْفِي أَن يكون الله محبوباً وَأَن لَا يكون المحبوب إِلَّا الْأَعْمَال لَا فِي الدّلَالَة الْمُتَّصِلَة وَلَا الْمُنْفَصِلَة بل وَلَا فِي الْعقل أَيْضا ، فَمن عَلَامَات الْمجَاز صِحَة إِطْلَاق نَفْيه فَيجب أَن يَصح إِطْلَاق القَوْل بَان الله لَا يحب وَلَا يحب كَمَا أطلق إمَامهمْ الْجَعْد بن دِرْهَم أَن الله لم يتَّخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَلم يكلم مُوسَى تكليما وَمَعْلُوم أَن هَذَا مُمْتَنع بِإِجْمَاع الْمُسلمين فَعلم دلَالَة الْإِجْمَاع على أَن هَذَا لَيْسَ مجَازًا بل هِيَ حَقِيقَة، وَأَيْضًا فقد فرق بَين محبته ومحبة الْعَمَل لَهُ فِي قَوْله {أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله} التوبة… وَأَيْضًا فالتعبير بمحبة الشَّيْء عَن مُجَرّد محبَّة طَاعَته لَا عَن محبَّة نَفسه أَمر لَا يعرف فِي اللُّغَة لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا فَحمل الْكَلَام عَلَيْهِ تَحْرِيف مَحْض.

(56) وَقد قَررنَا فِي مَوَاضِع من الْقَوَاعِد الْكِبَار أَنه لَا يجوز أَن يكون غير الله محبوبا مرَاداً لذاته كَمَا لَا يجوز أَن يكون غير الله مَوْجُودا بِذَاتِهِ، بل لَا رب إِلَّا الله وَلَا إِلَه غَيره، والإله هُوَ المعبود الَّذِي يسْتَحق أَن يُحب لذاته ويُعظم لذاته بكَمَال الْمحبَّة والتعظيم، وكل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ فطر الْقُلُوب على أَنه لَيْسَ فِي محبوباتها ومراداتها مَا تطمئِن إِلَيْهِ إِلَّا الله وَحده وَإِن كل مَا أحبه المحبوب من مطعوم وملبوس ومنظور وملموس يجد من نَفسه أن قلبه يطْلب شَيْئا سواهُ وَيُحب أمرا غَيره يتألهه ويصمد إِلَيْهِ ويطمئن إِلَيْهِ وَيرى مَا يُشبههُ من هَذِه الاجناس، وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه {أَلا بِذكر الله تطمئِن الْقُلُوب} … وَأَيْضًا فَكل مَا فطرت الْقُلُوب على محبته من نعوت الْكَمَال فَالله هُوَ الْمُسْتَحق لَهُ على الْكَمَال وكل مَا فِي غَيره من مَحْبُوب فَهُوَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَهُوَ الْمُسْتَحق لِأَن يحب على الْحَقِيقَة والكمالk وإنكار محبَّة العَبْد لرَبه هُوَ فِي الْحَقِيقَة إِنْكَار لكَونه إِلَهًا معبوداً، كَمَا أَن إِنْكَار محبته لعَبْدِهِ يسْتَلْزم إِنْكَار مَشِيئَته وَهُوَ يسْتَلْزم إِنْكَار كَونه رَبًّا خَالِقًا فَصَارَ إنكارها مستلزماً لإنكار كَونه رب الْعَالمين ولكونه إِلَه الْعَالمين وَهَذَا هُوَ قَول أهل التعطيل والجحود.

(57) وَأما قَوْلهم إِنَّه لَا مُنَاسبَة بَين الْمُحدث وَالْقَدِيم توجب محبته لَهُ وتمتعه بِالنّظرِ إِلَيْهِ فَهَذَا الْكَلَام مُجمل فَإِن ارادوا بالمناسبة أَنه لَيْسَ بوالد فَهَذَا حق وَإِن أَرَادوا أَنه لَيْسَ بَينهمَا من الْمُنَاسبَة مَا بَين الناكح والمنكوح والآكل والمأكول وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا أَيْضا حق وَإِن أَرَادوا أَنه لَا مُنَاسبَة بَينهمَا توجب أَن يكون أَحدهمَا محبا عابدا والاخر معبودا محبوبا فَهَذَا هُوَ رَأس الْمَسْأَلَة والاحتجاج بِهِ مصادرة على الْمَطْلُوب وَيَكْفِي فِي ذَلِك الْمَنْع ثمَّ يُقَال بل لَا مُنَاسبَة تَقْتَضِي الْمحبَّة الْكَامِلَة إِلَّا الْمُنَاسبَة الَّتِي بَين الْمَخْلُوق والخالق الَّذِي لَا إِلَه غَيره الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه وَله الْمثل الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض. وانظر (53).

(58) لما طَال الأمد صَار فِي طائف المتكلمة من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم من يُنكر هَذِه الْمحبَّة وَصَارَ فِي بعض المتصوفة من يطْلب تحريكها بأنواع من السماع المُحدث كسماع التغبير، وَسَمَاع المكاء والتصدية فيسمعون من الْأَقْوَال والأشعار مَا فِيهِ تَحْرِيك جنس الْحبّ الَّذِي يُحَرك من كل قلب مَا فِيهِ من الْحبّ بِحَيْثُ يصلح لمحب الأوتار والصلبان والاخوان والأوطان والمردان والنسوان كَمَا يصلح لمحب الرَّحْمَن…قال الْجُنَيْد رَحمَه الله (من تكلّف السماع فتن بِهِ وَمن صادفه استراح بِهِ) وَمعنى ذَلِك أَنه لَا يشرع الِاجْتِمَاع لهَذَا السماع الْمُحدث وَلَا يُؤمر بِهِ وَلَا يتَّخذ دينا وقربة وَأَن الْقرب والعبادات إِنَّمَا تُؤْخَذ عَن الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم فَكَمَا أَنه لَا حرَام إِلَّا مَا حرمه الله فَإِنَّهُ لَا دين إِلَّا مَا شَرعه الله…فَلَو كَانَ هَذَا مِمَّا يُؤمر بِهِ وَيسْتَحب وَتصْلح بِهِ الْقُلُوب للمعبود المحبوب لَكَانَ ذَلِك مِمَّا دلّت الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة عَلَيْهِ وَمن الْمَعْلُوم أَنه لم يكن فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة المفضلة…وَأما مَالا يَقْصِدهُ الْإِنْسَان من الِاسْتِمَاع فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ نهى وَلَا ذمّ بِاتِّفَاق الآئمة وَلِهَذَا إِنَّمَا يَتَرَتَّب الذَّم والمدح على الِاسْتِمَاع لَا على السماع فالمستمع لِلْقُرْآنِ يُثَاب عَلَيْهِ وَالسَّامِع لَهُ من غير قصد لَا يُثَاب على ذَلِك إِذْ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَكَذَلِكَ مَا ينْهَى عَن استماعه من الملاهي لَو سَمعه السَّامع بِدُونِ قصد لم يضرّهُ ذَلِك فَلَو اسْتمع السَّامع بَيْتا يُنَاسب بعض حَاله تحرّك ساكنه الْمَحْمُود وأزعج قاطنه المحبوب أَو تمثل بذلك وَنَحْو ذَلِك لم يكن ذَلِك مِمَّا ينْهَى عَنهُ وَإِن كَانَ الْمَحْمُود الْحسن حَرَكَة قلبه الَّتِي يُحِبهَا الله وَرَسُوله أَو الَّتِي تَتَضَمَّن فعل مَا يُحِبهُ الله وَترك مَا يكرههُ.

(59) وَالْمَقْصُود هَهُنَا أَن الْمَقَاصِد الْمَطْلُوبَة للمريدين تحصل بِالسَّمَاعِ الايماني القرآني النَّبَوِيّ الديني الشَّرْعِيّ الَّذِي هُوَ سَماع النَّبِيين وَسَمَاع الْعَالمين وَسَمَاع العارفين وَسَمَاع الْمُؤمنِينَ … وَلِهَذَا السماع من المواجيد الْعَظِيمَة والأذواق الْكَرِيمَة ومزيد المعارف وَالْأَحْوَال الجسيمة مَالا يَسعهُ خطاب وَلَا يحويه كتاب كَمَا أَن فِي تدبر الْقُرْآن وتفهمه من مزِيد الْعلم وَالْإِيمَان مَالا يُحِيط بِهِ بَيَان.

(60) وَقَالَ بَعضهم (من عبد الله بالحب وَحده فَهُوَ زنديق وَمن عبد الله بالخوف وَحده فَهُوَ حروري وَمن عَبده بالرجاء وَحده فَهُوَ مرجيء وَمن عَبده بالحب وَالْخَوْف والرجاء فَهُوَ مُؤمن موحد) وَذَلِكَ لِأَن الْحبّ الْمُجَرّد تتبسط النُّفُوس فِيهِ حَتَّى تتسع فِي أهوائها إِذا لم يزعها وازع الخشية لله حَتَّى قَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى {نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه} وَيُوجد فِي مدعي الْمحبَّة من مُخَالفَة الشَّرِيعَة مَالا يُوجد فِي أهل الخشية وَلِهَذَا قرن الخشية بهَا فِي قَوْله تعالى {هَذَا مَا توعدون لكل أواب حفيظ من خشِي الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بقلب منيب ادخلوها بِسَلام ذَلِك يَوْم الخلود} وَكَانَ الْمَشَايِخ المصنفون فِي السّنة يذكرُونَ فِي عقائدهم مجانبة من يُكثر دَعْوَى الْمحبَّة والخوض فِيهَا من غير خشيَة لما فِي ذَلِك من الْفساد الَّذِي وَقع فِيهِ طوائف من المتصوفة، وَمَا وَقع فِي هَؤُلَاءِ من فَسَاد الِاعْتِقَاد والأعمال أوجب إِنْكَار طوائف لأصل طَريقَة المتصوفة بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى صَار المنحرفون صنفين: صنف يقر بِحَقِّهَا وباطلها، وصنف يُنكر حَقّهَا وباطلها كَمَا عَلَيْهِ طوائف من أهل الْكَلَام وَالْفِقْه، وَالصَّوَاب إِنَّمَا هُوَ الْإِقْرَار بِمَا فِيهِا وَفِي غَيرهَا من مُوَافقَة الْكتاب وَالسّنة وَالْإِنْكَار لما فِيهَا وَفِي غَيرهَا من مُخَالفَة الْكتاب وَالسّنة.

(61) وأصل الْمحبَّة هُوَ معرفَة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلها أصلان أَحدهمَا وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ محبَّة الْعَامَّة لأجل إحسانه إِلَى عباده، وَهَذِه الْمحبَّة على هَذَا الأَصْل لَا ينكرها أحد، فَإِن الْقُلُوب مجبولة على حب من أحسن إِلَيْهَا وبغض من أساء إِلَيْهَا وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُنعم المحسن إِلَى عَبده بِالْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ المتفضل بِجَمِيعِ النعم وَإِن جرت بِوَاسِطَة، إِذْ هُوَ ميسر الوسائط وَسبب الْأَسْبَاب، لَكِن هَذِه الْمحبَّة إِذا لم تجذب الْقلب إِلَى محبَّة الله نَفسه فَمَا أحب العَبْد فِي الْحَقِيقَة إِلَّا نَفسه، وَهَذَا لَيْسَ بمذموم بل مَحْمُود وَهَذِه الْمحبَّة هِيَ الْمشَار إِلَيْهَا بقوله (أَحبُّوا الله لما يغذوكم بِهِ من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أَهلِي بحبي) والمتقصر على هَذِه هُوَ لم يعرف من جِهَة الله مَا يسْتَوْجب أَنه يُحِبهُ إِلَّا للإحسان إِلَيْهِ، وَهَذَا كَمَا قَالُوا إِن الْحَمد لله على نَوْعَيْنِ حمد هُوَ شكر وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا على نعْمَته وَحمد هُوَ ثَنَاء عَلَيْهِ ومحبة لَهُ وَهُوَ بِمَا يسْتَحقّهُ لنَفسِهِ سُبْحَانَهُ، فَكَذَلِك الْحبّ فَإِن الأَصْل الثَّانِي هُوَ محبته لما هُوَ أهل وَهَذَا حب من عرف من الله مَا يسْتَحق أَن يحب لأَجله وَمَا من وَجه من الْوُجُوه الَّتِي يعرف الله بهَا مِمَّا دلّت عَلَيْهِ أسماؤه وَصِفَاته إِلَّا وَهُوَ يسْتَحق الْمحبَّة الْكَامِلَة من ذَلِك الْوَجْه حَتَّى جَمِيع مفعولاته إِذْ كل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة مِنْهُ عدل وَلِهَذَا اسْتحق ان يكون مَحْمُودًا على كل حَال وَيسْتَحق أَن يحمد على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَهَذَا أَعلَى وأكمل وَهَذَا حب الْخَاصَّة وَهَؤُلَاء هم الَّذين يطْلبُونَ لَذَّة النّظر إِلَى وَجهه الْكَرِيم ويتلذذون بِذكرِهِ ومناجاته وَيكون ذَلِك لَهُم أعظم من المَاء للسمك ولَو أنقطعوا عَن ذَلِك لوجدوا من الْأَلَم مَالا يُطِيقُونَ…

(62) وَمِمَّا يَنْبَغِي التفطن لَهُ أَنه لَا يجوز أَن يظنّ فِي بَاب محبَّة الله تَعَالَى مَا يظنّ فِي محبَّة غَيره مِمَّا هُوَ من جنس التجني والهجر والقطيعة لغير سَبَب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا قد يغلط فِيهِ طوائف من النَّاس حَتَّى يتمثلون فِي حبه بِجِنْس مَا يتمثلون بِهِ فِي حب من يصد وَيقطع بِغَيْر ذَنْب أَو يبعد من يتَقرَّب إِلَيْهِ وَإِن غلط فِي ذَلِك من غلط من المصنفين فِي رسائلهم حَتَّى يكون مَضْمُون كَلَامهم إِقَامَة الْحجَّة على الله بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة.

(63)  رَوَى البُخَارِيّ عَن شَدَّاد بن أَوْس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (سيد الاسْتِغْفَار أَن يَقُول العَبْد اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وَأَنا على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت أعوذ بك من شَرّ مَا صنعت أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت من قَالَهَا إِذا أصبح موقنا بهَا فَمَاتَ فِي يَوْمه دخل الْجنَّة وَمن قَالَهَا إِذا أَمْسَى موقنا بهَا فَمَاتَ من ليلته دخل الْجنَّة) فَالْعَبْد دَائِما بَين نعْمَة من الله يحْتَاج فِيهَا إِلَى شكر وذنب مِنْهُ يحْتَاج فِيهِ إِلَى أستغفار وكل من هذَيْن من الْأُمُور اللَّازِمَة للْعَبد دَائِما فَإِنَّهُ لَا يزَال يتقلب فِي نعم الله وآلائه وَلَا يزَال مُحْتَاجا إِلَى التَّوْبَة والاستغفار وَلِهَذَا كَانَ سيد ولد آدم وَإِمَام الْمُتَّقِينَ يسْتَغْفر فِي جَمِيع الْأَحْوَال…

(64) قوام الدّين بِالتَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَار كَمَا قَالَ الله تَعَالَى:

{الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)} [هود : 1-3]

وَالله أعلم وَصلى الله على مُحَمَّد وَسلم.

انتهى.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s