خلاصة كتاب “العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة”

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،

أثناء التجول على الشابّكة عثرتُ على هذا الكتاب اللطيف،” العلل الاساسية للمعاملات المالية المحرمة” لمؤلفه الدكتور خالد بن عبد العزيز آل سليمان، الاستاذ المشارك بجامعة الملك فهد للبترول و المعادن، وله موقع فيه مؤلفات مفيدة على هذا الرابط فجزاه الله خيراً وتقبل منه صالح عمله.

وموضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، ويمتاز الكتاب بحسن العرض وسهولة العبارة، وقد قدم المؤلف تعريفاً بكتابه كما يلي:

“أصله ثلاثة بحوث علمية محكمة؛ تم فيها دراسة العلل الأساسية للمحرمات المالية دراسة تأصيلية ومقاصدية وتطبيقية، وعُنيت بوضع تصور شمولي ومختصر لمظانِّ هذه المعاملات المحرمة؛ من خلال حصرها في خمس علل أساسية، وبيان ضوابطها، ووجه تشعب العلل الأخَرَ منها، وإبراز حكمة التشـريع من تحريم المعاملات المالية المشتملة على هذه العلل، وتطبيق هذه العلل على طائفة من المعاملات المالية المحرمة المعاصرة.

ومن أهم ما يهدف إليه الكتاب أمران:

أحدهما: مساعدة المهتم بالمعاملات المالية الإسلامية في الفهم الشمولي لمظانِّ المعاملات المالية المحرمة في الشريعة الإسلامية، وقدرته –إلى حد كبير- في تصنيف أي معاملة معاصرة مستقلة؛ هل هي في الدائرة الضيقة للمعاملات المالية المحرمة، أو في الدائرة الواسعة للمعاملات المالية الجائزة؟

الثاني: الحرص على إقناع أي قارئ (سواء أكان مسلما أم غير مسلم) بأن لله تعالى حكمة بالغة في تحريم طائفة من العقود المالية، وأن الانتهاء عنها يعود بالنفع العظيم على البشرية؛ أفرادا وجماعات، وعلى المدى القريب والبعيد.

[و هو] مقسم إلى تمهيد وسبعة مباحث رئيسة:

التمهيد: إثبات أن الأحكام شرعت لتحقيق مصالح العباد.

المبحث الأول: التحريم في المعاملات المالية على خلاف الأصل.

المبحث الثاني: حصر العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة ووجه الاستفادة منه.

المبحث الثالث: دراسة لعلة الربا.

المبحث الرابع: دراسة لعلة الغرر.

المبحث الخامس: دراسة لعلة التغرير.

المبحث السادس: دراسة لعلة الظلم.

المبحث السابع: دراسة لعلة الضرر.”

ويمكن مطالعة الكتاب مصوراً من موقع مؤلفه على هذا الرابط

وهذه خاتمة الكتاب مع بعض التعليقات عليها:

في نهاية المطاف من المناسب بيان أهم نتائج البحث:

(1) ما من حكم شرعي إلا ولله فيه مقصد وحكمة وغاية تعود إلى تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وهذه المقاصد والحكم والغايات قد تخفى على بعض الناس حال امتثاله للتكليف، لكنه سیدرکها مآلاً ولابد، في آجل الدنيا والآخرة.

(2) من رحمة الله تعالى بعباده في تشريع المعاملات: أن جعل الأصل فيها الإباحة. فالعباد لهم أن ينشئوا لأنفسهم ما يشاؤون من المعاملات التي يرون أنها تحقق مصالحهم، لكن مع الالتزام بالقواعد الأخلاقية التي رسمتها الشريعة الإسلامية والتي تضمن لهم تحقيق مصالحهم على الشكل الصحيح، وهذه المصالح تسهم في تعزيز مصداقية التعامل بين الناس، وفي الاعتناء بالتوازن بين المصالح الفردية والجماعية، بحيث ينتفع بالمعاملة: التاجر من جهة والمجتمع برمته من جهة أخرى، على المدى القريب والبعيد، وفي الدنيا والآخرة.

(3) العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة ترجع إلى خمس علل:

(الضرر، والظلم، والربا، والغرر، والتغرير).

(4) من أهم فوائد حصر هذه العلل للمجتهد: تأكده من خلو المعاملة المالية من النواهي الشرعية؛ إذ إن الدراسة الفقهية للنازلة المالية ترتكز على مرحلتين مهمتين:

إحداهما: فهم النازلة على حقيقتها.

والمرحلة الثانية : التكييف الفقهي لهذه النازلة.

وهذا التكييف يشمل أمرين:

الأمر الأول: البحث في مدى إمكانية تخريج النازلة على ما يشبهها من العقود المسماة في النصوص، ومن ثم تجري عليها أحكام ذلك العقد المسمى، أو الحكم عليها بأنها مستقلة تماما.

الأمر الثاني: التأكد من خلو جميع إجراءاتها من المناهي الشرعية.

ولكي يكون الأمر الثاني مبنيا على منهجية منضبطة: فالمجتهد معني بعرض المعاملة على العلل الثلاث الأول؛ وهي الربا والغرر والتغرير. فإذا سلمت منها يعرضها على علة الظلم، ثم الضرر. فإذا سلمت منها : ساغ له في الجملة الحكم عليها بالإباحة حينئذ؛ بناء على تحقق شرط العمل بقاعدة: (الأصل في المعاملات المالية الإباحة).

(5) الربا هو: «فضل مخصوص مستحق لأحد المتعاقدين خال عما يقابله من العوض».

(6) ينقسم الربا من جهة موضوعه قسمين؛ هما: الربا في البيوع، والربا في الديون. وربا البيوع نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة .

(7) المراد بربا الفضل: الزيادة في أحد العوضين المتجانسين في نوع من الأموال والسلع التي يقتضي المعيار الشرعي تساويهما في المقدار.

(8) المراد بربا النسيئة في البيوع: الزيادة في الأجل في أحد العوضين اللذين يقتضي المعيار الشرعي تقابضهما في الحال.

(9) المراد بالربا في الديون: الزيادة التي يفرضها أحد المتعاقدين على الآخر مقابل الأجل. وهذا القسم هو الذي تنصرف إليه نصوص الربا في القرآن الكريم؛ لذلك يسمى (ربا القرآن)، كما يعرف ب (ربا الجاهلية) و(الربا الجلي) و(الربا المحرم لذاته)، وأيضا (ربا القروض) و (ربا الديون) و (ربا النسيئة). والتسميات الثلاثة الأخيرة هي الأشهر .

(10) الفرق بين ربا الديون – أو ربا النسيئة (عند الإطلاق)- وربا النسيئة في البيوع: أن الزيادة في ربا البيوع لم تكن مقابل التأجيل، وإنما خاصة في عقد البيع الذي حصل فيه تأخير لأحد المبيعين على الرغم من اشتراط تقابضهما في مجلس العقد وفقا للمعيار الشرعي – أما إذا وجدت زيادة في أحد العوضين مقابل التأجيل؛ فتلحق هذه الزيادة حينئذ بالنسيئة في ربا الديون. فالنسيئة في الديون: زيادة في مقدار أحد البدلين مقابل الأجل، بينما النسيئة في البيوع: زيادة في أجل أحد المبيعين، مع أن المعيار الشرعي يقتضي تقابضها في الحال، دون أن يقابل هذه الزيادة في الأجل زيادة في أحد العوضين.

(11) لا يوجد في المحرمات المالية شيء أشر من الربا؛ لأنه الذنب الوحيد الذي هدد الله تعالى فاعله بالحرب من الله ورسوله.

(12) الربا فيه مفاسد كبيرة، تفتك بالمجتمع بأسره، ومكمن الخطورة: کون نتائجه السلبية طويلة المدى، والشعور الآني بها يكاد يكون معدوما، ولكنه إذا استحكم أحدث أزمة مالية حادة يتضرر بها المرابون، بل اقتصاد البلد بأسره، فهو قاتل بطيء للاقتصاد؛ کشرب الدخان قاتل بطيء للبدن. ولظهور رجحان مفسدة الربا على مصلحته حذر منه كثير من العقلاء على مر التاريخ، وبرروا ذلك بمبررات عقلية قوية.

(13) المقصود بالعلة الربوية: الوصف الجامع بين عوضين بحيث يترتب على وجوده فيهما من المعاوضة بينهما بالربا، أما إذا لم يوجد هذا الوصف فيها؛ فتجوز حينئذ المعاوضة بينهما بالزيادة في أحد العوضين أو في الأجل.

(14) وهذه العلة نحتاج للتحقق منها في ربا البيوع فقط، أما ربا القروض ؛ فلا أثر للعلة في تحديده، وإنما يشمل جميع الأصناف المتجانسة بلا استثناء، فمتى اقترض سلعة أو مالا على أن يرد مثلها لاحقا؛ فلا تجوز الزيادة في مقدار البدل مقابل الأجل؛ لأن كل قرض جر نفعا فهو ربا . وهذا محل إجماع.

(15) عموم المعاملات الربوية الشائعة في البنوك التقليدية من قبيل ربا القروض، أما ربا البيوع فتطبيقه محدود جدا ويكاد ينحصر في جانب من بيع العملات فحسب، بل إن تطبيقها في الغالب يكون خارج نطاق المصارف أصلا.

(16) من خلال تحرير مذهب الحنفية والمالكية يلحظ أنهم اتفقوا على توسيع دائرة ربا النسيئة لتشمل ما هو بطبيعته بعيد عن الأصناف الستة المشهورة؛ فمنعوا النسيئة أيضا بين كل عوضين من جنس واحد.*

(17) ضابط ربا الديون: وجود زيادة مشروطة في أحد العوضين مقابل الأجل في العوض الثاني. وبناء على ذلك؛ فدائرته واسعة لتشمل أي عوضين من جنس واحد، أيا كان هذان العوضان.

(18) ضابط ربا البيوع هو تحقق إحدى قاعدتيه، وهما:

القاعدة الأولى: إذا اتحد العوضان في العلة والجنس؛ حرم ربا الفضل والنسيئة معاً.

والقاعدة الثانية: إذا اتحد العوضان في العلة واختلفا في الجنس؛ حرم ربا النسيئة دون ربا الفضل.

(19) من أعظم مقاصد تحريم الربا: منع ما يحصل فيه من ظلم للمدين، بل للمجتمع بأسره بما فيهم آكل الربا. ومن أوجه الظلم للمدين : أن العاقل لا يقدم على دفع فائدة بلا مقابل مادي إلا بدافع الحاجة، فاستغلال هذه الحاجة هو عين الظلم. إذ يستغل أرباب الأموال حاجة الناس للسيولة النقدية فيقدمون لهم التسهيلات النقدية المحملة بالفوائد، وهذه الفوائد في ظاهرها أنها يسيرة لكنها مع التراكم تتزايد إلى أن تصبح أضعافا مضاعفة على كاهل المقترض المحتاج الذي لم ينل أي عوض مقابل بذله لها سوى التأخير في الأجل، والذي لا يعدو أن يكون مجرد تأخير لحل المشكلة لكن بشكل يجعل الحل أكثر صعوبة، والظلم أكثر تفاقماً.

(20) من أوجه الظلم للمجتمع -أيضا-: أن الربا يغري أرباب الأموال إلى توليد المال من المال دون استثمارهم له في مشاريع اقتصادية تفيد المجتمع، وهذا يجعل الأموال تحلق بعيدا عن القيمة الحقيقية التي يمثلها الواقع الأقتصادي، مما تتولد عنه أزمات مالية في كل حقبة من الزمن تضرب اقتصاد البلد بأسره، ويضطر أصحاب القرار إلى التضحية بكثير من الديون، وخلق فرص استثمارية جديدة تنعش الاقتصاد الحقيقي؛ لتخفيف الفجوة بينه وبين الديون.**

(21) من مقاصد تحریم ربا البيوع: أن يكون المنع منه سدا لذريعة ربا الديون؛ إذ لخطورة ريا الديون وشدة مفاسده غلظت الشريعة في تحريمه ومنعت كل وسيلة يمكن أن تؤدي إليه. ومن أوجه إفضاء ربا البيوع إلى ربا الديون: أنه لو جاز ربا الفضل (أي بيع المال الربوي بجنسه متفاضلا يدا بید) لتساهل الناس فيه وباعوه بجنسه متفاضلا مع التأجيل، ومن ثم يختلط هذا الفضل بالزيادة التي تقابل الأجل، والتي هي عين ربا الديون. وأيضا لو جاز ربا النسيئة في البيوع عند تساوي العوضين في المقدار (أي: لو جازت الزيادة في الأجل في أحد العوضين اللذين يقتضي المعيار الشرعي تقابضها في الحال)، لكان ذلك ذريعة لأن يكون مقدار العوض المقدم في الحال أقل من مقدار العوض المؤجل بسبب تمتع صاحب العوض المؤجل بالتأجيل، وهذا عين ربا الديون.

(22) للربا تطبيقات معاصرة كثيرة؛ منها: الحسابات الادخارية بفائدة، والاعتماد المستندي غير المغطى، والسندات، والمتاجرة بالعملات في سوق العملات العالمية عن طريق الشراء بالهامش، وما يحصل فيها من رسوم التبييت، ومن تأخر المقاصة إلى يومين، وبعض التطبيقات في بطاقات الائتمان غير المغطاة؛ مثل: أخذ فوائد من العميل مقابل التأجيل في السداد، وفرض رسوم إصدار على العميل زائدة عن التكلفة الفعلية لإصدار البطاقة، وأخذ رسوم عند السحب النقدي زائدة على التكلفة الفعلية، ودفع العميل قيمة إضافية على السلعة مقابل النسبة التي يقتطعها المصرف من التاجر.

(23) من التعريفات المهمة لعلة الغرر أنه: «معاوضة احتمالية نتيجتها ربح أحد الطرفين وخسارة الآخر»؛ إذ يتسم هذا التعريف بتسليط الضوء على الجانب الأهم في كنه الغرر وحقيقته، وهو أن ربح أحد الطرفين مبني على خسارة الآخر. فأحد الطرفين سينتزع الربح من الطرف الثاني ويجعله صفر اليدين بلا مكسب، لكن أثناء العقد لا يعلم من الرابح ومن الخاسر، ولو علم الخاسر بذلك أثناء العقد لما رضي بإبرامه من الأساس.

(24) ضابط الغرر المؤثر، عبر عنه بلفظ مختصر ونصه: «الغرر المؤثر هو الغرر الكثير، في عقود المعاوضات المالية، إذا كان في المعقود عليه أصالة، ولم تدع للعقد حاجة».

(25) من مقاصد الشريعة في تحريم بيوع الغرر: الحفاظ على أواصر الأخوة والمحبة بين أبناء المجتمع المسلم، وسد باب العداوة والبغضاء، ومنع ما أمكن من مظان الخصومات، إذ العقود التي فيها غرر من آكد مظان الخصومات، ولاسيما عندما يزول الغرر، وينكشف ما كان خافيا على خلاف المتوقع والمأمول.

(26) من المقاصد في تحريم بيوع الغرر – كذلك -: حفظ أحد الضروريات الخمس وهو المال؛ لأن السماح بدخول المسلم في معاملات عالية المخاطر؛ يعرض ماله للتلف والضياع، والشريعة قد صانت الأموال، ومنعت من كل ما يؤدي إلى هلاكها.

(27) من التطبيقات المعاصرة لعلة الغرر: عقد التأمين التجاري، والبيوع الآجلة في البورصة، والعقود المستقبليات، وبيع الخيارات وشرائها، وبطاقة التخفيض المستقلة العامة مدفوعة الثمن.***

(28) مما جاء في تعريف علة التغرير: «هو الإغراء بوسيلة قولية أو فعلية كاذبة، لترغيب أحد المتعاقدين في العقد وحمله عليه». فالمراد بالتغرير : أن يتعمد أحد التأثير على إرادة أحد طرفي العقد؛ بحيث يغريه بالتعاقد، ويسلك في سبيل ذلك وسيلة كاذبة، ولو علم العاقد بالحقيقة لم يقبل بالعقد. وهذا التأثير والإغراء قد يكون من أحد العاقدين، وقد يكون من طرف ثالث، ولكن بإيعاز من أحد العاقدين. كما أن الإغراء قد يكون بالقول أو الفعل.

(29) من الفروق بين الغرر والتغرير: أن التغرير يحصل بتصرف متعمد من جهة أحد العاقدين بقصد التلبيس والتدليس على العاقد الآخر، أما الغرر فلا صنيع فيه لأي من العاقدين.

(30) من الفروق بين الغرر والتغرير – أيضا – : أن نتيجة العقد الذي فيه غرر مجهولة عند العاقدين معا، أما في التغرير فهي معلومة لدى المستفيد من التغرير، ومجهولة لدى المتضرر منه.

(31) من الفروق بين الغرر والتغرير – كذلك – : أن الغرر أبلغ أثرا في العقد من التغرير؛ إذ الحكم الوضعي لعقد الغرر (المستكمل لشروط الغرر) هو فساد العقد. بينما التغرير (ولاسيما التغرير الفعلي) يجعل للعاقد المغرور الخيار بين تعديل العقد على الوجه الذي يناسبه أو الفسخ.

(32) المقاصد الشرعية في تحريم ما فيه تغریر كثيرة منها: منع الإفساد في الأرض؛ إذ لو جاز التحايل على أموال الناس بالتغرير والغش والتدليس والمخادعة وبخس الناس حقوقهم؛ لانتشرت السلع المغشوشة، وامتدت إلى مطاعم الناس ومشاربهم وملابسهم ومراكبهم، وتعرضت حياتهم للخطر، ولأغرى ذلك أصحاب النفوس المريضة إلى العدول عن جودة المنتجات والخدمات، والصدق في المبايعات والتعاملات إلى مخادعة الناس وإغرائهم بالمظاهر الزائفة، والدعايات الكاذبة؛ لانتزاع أموالهم بطرق سهلة وفاحشة الربح، مما يزعزع ثقة الناس في المبایعات برمتها، ويجعل التاجر الصادق لا يجد له مكانا في أسواق تعج بالفساد.

(33) من مقاصد الشريعة في تحريم التغرير – أيضا – : مراعاة مصالح عموم المسلمين، وعدم الوقوع فيما يخل بالانتماء لهم. فكل من يبحث عن الثراء السريع ولو كان ذلك بالالتفاف على مصالح المسلمين، وانتزاع أموالهم عن طريق الغش والتغرير والخداع: فهذا دليل على أنانيته وضعف انتمائه لدينه وأمته ووطنه؛ لهذا عندما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على حالة غش تتمثل في وضع الجيد من الطعام في الأعلى والرديء في الأسفل : أنكر ذلك أشد الإنكار ووصف ذلك بأنه من الغش الذي يقدح في الانتماء للمسلمين، ويدل على عدم کمال الإيمان؛ حيث قال: ((من غشنا فليس منا)).

(34) من مقاصد الشريعة في تحريم التغرير – أيضا -: حفظ مصلحة المغرر به، ورفع الضرر الذي أخفي عنه وقت العقد.

(35) من التطبيقات المعاصرة للمعاملات المالية التي يعود تحریمها إلى علة التغرير: أن يكون المعقود عليه سلعة مغشوشة، والتغرير في الدعايات والإعلانات التجارية، والتغرير في المضاربات في البورصات الإلكترونية . وهذا النوع بالذات يعد من أخطر صور التغرير؛ لما تتسم به المعاملات الإلكترونية من السرعة والسهولة: بحيث تجذب عددا هائلا من الناس الذين يسهل التغرير بهم، وفي الجانب المقابل يصعب معرفة من يمارس هذا التغرير.

(36) علة الظلم يراد بها (التعامل المالي الذي يترتب عليه أخذ أحد العاقدين مالا بغير حق تعدياً).

(37) ضابط الظلم الرئيس، وركنه الركين هو: (أن يكون فيها تعد على مال الآخرين وأخذه بدون وجه حق).

(38) من المقاصد الشرعية في تحريم المعاملة المالية التي فيها ظلم: أن الظلم بجميع أشكاله له أضرار وخيمة، ومع تراكمها تصل إلى إفساد الحياة برمتها، وفي المقابل فإن العدل هو أساس الصلاح، وقوام الحياة للبشرية جمعاء.

(39) من مقاصد تحريم العقود المشتملة على الظلم – أيضا -: أن الظلم يورث العداوة والبغضاء بين الناس، ويؤدي إلى التنازع والخصومة بينهم؛ لأن الظلم ضرر، والشأن في العاقل أن لا يرضى على نفسه بالضرر، مما قد يدفعه إلى التخاصم أمام القضاء لإعادة حقه. وربما يؤثر تحمل الضيم مع بقاء البغضاء في صدره؛ مما قد يدفعه إلى الانتقام عندما تسنح الفرصة.

(40) يضاف إلى ذلك فإن العدل ومنع الظلم بعينه يعد من أهم المقاصد الشرعية للمعاملات المالية.

(41) من التطبيقات المعاصرة للعقود التي يعود تحریمها إلى علة الظلم: قضاء الديون النقدية التي طرأ عليها الكساد أو التضخم المفرط بمثلها. وتعد بخس الآخرين حقوقهم عند التعاقد معهم، استغلالاً لحاجتهم إلى المعقود عليه.

(42) المراد من علة الضرر: (التعامل المالي الذي يترتب عليه إلحاق أحد العاقدين أذى بنفسه أو غيره على وجه لا نفع فيه يوازيه أو يزيد عليه).

(43) ضابط الضرر المؤثر في تحريم المعاملة: أن يكون الضرر راجحاً على ما يقابله من منفعة أو ضرر، وأن يكون هذا الضرر متحقق الحصول في الحال، أو يغلب على الظن حصوله في المستقبل.

(44) منع الضرر بحد ذاته من أهم مقاصد الشريعة؛ بل يؤول إلى المقصد الرئيس الذي تنطلق منه جميع التكاليف الشرعية وهو تحقیق مصالح العباد في الدنيا والآخرة؛ لأن درء الضرر والمفسدة هو بحد ذاته جلب للمنفعة والمصلحة، وجلب المصالح هو مدار جميع الأحكام في الشريعة المحمدية.

(45) مما يدخل في المعاملات المحرمة لعلة الضرر: تحريم التعاقد على ما ثبت ضرره بالإنسان؛ کالمخدرات، والدخان، والأدوية الممنوعة طبيا، والأطعمة أو المشروبات الفاسدة، أو منتهية الصلاحية. وتحريم التعاقد على ما يضر بدين المسلمين أو أخلاقهم؛ كالتعاقد على إنشاء المواقع والمدونات الشبكية أو القنوات التلفزيونية أو الصحف والمجلات أو نحو ذلك : بقصد إفساد عقول المسلمين وأخلاقهم، سواء أكان ذلك الإفساد بالتشدد والتطرف في الدين، أم بالتمييع للدين والتشكيك فيه. ومن الأمثلة – أيضا -: تحريم التعاقد على منفعة شخص أو عين لتحقيق ضرر ديني أو دنيوي؛ کما إذا استأجر طبيبا على أن يسقط جنینا بغير عذر شرعي. ومن الأمثلة -أيضا -: تأجير العقار على نشاط تجاري محرم أو يغلب عليه الحرام؛ كمحلات بيع ما يسمى ب (الشيشة أو الأرجيلة أو النارجيلة). وكصالات القمار، أو مقرات البنوك الربوية.

وفي ختام هذا البحث أسأل المولى جل وعلا أن ينفع به کاتبه و قارئه، وأن يجعله في ميزان حسناتنا جميعاً، وأن يغفر لنا ما حصل فيه من خطأ أو تقصير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.” انتهت الخاتمة.


تعليقات (هاني):

* وذلك إن كان العوضين متماثلين من كل وجه سداً لذريعة القرض الذي جر نفعاً، كما ذكر المؤلف في أصل الكتاب، (قلتُ) ولعل ذلك في غير المعدودات كالحيوان و السيارات مثلاً، فإنه لا يجري فيها ربا الفضل ولا ربا النسيئة على الراجح.

** بل إن الاقتصاد الرأسمالي هو اقتصاد ديون لا اقتصاد أصول، والدين هو شعاره ودثارة، ولتوضيح ذلك يمكن مشاهدة الفيلم القصير المُلحق بمقالة كيف يعمل الاقتصاد الربوي الرأسمالي…!

*** بطاقة التخفيض العامة المستقلة، هي عبارة عن بطاقة تخفيض يصدرها مسوق بالإتفاق مع مجموعة من المحال و العلامات التجارية التي تتعد باعطاء خصم محدد لحامل البطاقة في مدة محددة، و هي مدة البطاقة، و هذه البطاقات يكون لها ثمن يُدفع لمسوق البطاقة.

والذين منعوا هذه البطاقات عللوا حكمهم بالغرر، وفي ذلك نظر، لأنهم قالوا أن مشتري البطاقة قد ينتفع بالتخفيضات أو لا ينتفع بها، وهذا تابع لإرادة المشتري وليس فيه غرر، إنما الغرر يكون في الثمن أو في المُثمن، و الثمن يكون معلوماً محدداً مسبقاً، و المثمن: وهو منفعة التخفيض التي عادة ما تكون كذلك معلومة محددة، فينص كتاب التخفيضات أو تطبيق الهاتف على أسماء المحال التجارية و نسبة التخفيض و أماكنها.

ولقد ذهب لإمكان جوازها الدكتور سامي السويلم و الشيخ دبيان الدبيان، وبإذن الله أُفرد لها بحثاً خاصاً فيه عرض الأقوال و الترجيح بينها.

وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه و التابعين.

هاني حلمي

فكرة واحدة على ”خلاصة كتاب “العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة”

  1. تعقيب: تعليقةٌ على فتوى في البيع بفائدةٍ إلى أجل | هاني حلمي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s