فصلٌ في آية الربا…!

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،

هذه مسألة هامة من مسائل شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، منشورة في كتاب “جامع المسائل – المجموعة الثامنة”،تحقيق محمد عزير شمس، نشرة: دار عالم الفوائد – مكة، الطبعة: الأولى، 1432 هـ، صفحة 269، تحت عنوان “فصل في آية الربا”.

في هذه المسألة يقرر شيخ الإسلام رحمه الله الأثار المترتبة على التوبة من أكل الربا و العقود الفاسدة، والتصرف في المقبوض من تلك العقود، وهي مسألة تحتاج إلى نظر وتحقيق، وقد أجاد رحمه الله في تقريرها، وخلاصة المسألة كما يلي:

– يحل للكافر إذا أسلم ما قبضه بالربا و العقود الفاسدة، ولا يطالب برده، أما المسلم إن كان يعتقد حل العقد المحرم أو كان جاهلاً بالحرمة = فحكمهما كحكم الكافر الذي أسلم، أي لا يردا ما قبضاه.

– أما من كان عالماً بالتحريم وقبض ثم تاب = قد يقال: أن {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} يتناول مَن كان يعلم التحريم إذ جاءته موعظة من ربه فانتهى، فإن الله يغفر لمن تاب، فيكون ما مضى من الفعل وجوده كعدمه، وقال (وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر)، وقال (والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه)، ثم فصَّل في المقبوض بالعقد الفاسد أو المحرم مع العلم بالتحريم: فقال (فإن كان قد ذهب وجُعل دينًا عليه كان في ذلك ضرر عظيم، وكان هذا منفِّرًا عن التوبة)، كذلك قال (لئلا يجتمع على المُربِي عقوبتان: إسقاط ما بقي، والمطالبة بما أكل)، فلا يؤخذ ما قبضه، هذا وجه، (وقد يقال: لا يكون لواحدٍ منهما، كما لو كان ثمنَ خمرٍ أو مهرَ بغيٍّ أو حُلوانَ كاهنٍ، فإن هذا إذا تاب لا يعيده إلى صاحبه، بل يتصدَّق به في أظهر قولي العلماء)، وفي جواز الصدقة من هذا المال على التائب نفسه قال (ولا ريب إن كان صاحب هذا الباب فقيرًا فهو أحقُّ به من غيره من الفقراء، وبهذا أفتيتُ غير مرةٍ، وإذا كان التائب فقيرًا يأخذ منه حاجته، فإنه أحقُّ به من غيره، وهو إعانة له على التوبة، وإن كُلِّف إخراجَه تضرَّر غايةَ التضرُّر ولم يتُبْ)…

– ما يتركه المسلم الجاهل من الواجباتِ التي لم يعرف وجوبها هل عليه قضاء؟ قولان، أظهرهما أنه لا قضاء عليه، ونظيره حكم الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، ونصر شيخ الإسلام القول بعدم ثبوته في حق من لم يبلغه الخطاب وأن لا قضاء عليه، ونصر ذلك بأدلة كثيرة.

وهذا نص المسألة:


فصل في آية الربا

قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} إلى قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:275 – 280].

قوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي: مما كان قبضَه من الربا جعله له.

{وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} قد قيل: الضمير يعود إلى الشخص، وقيل: إلى «ما»، وبكل حالٍ فالآيةُ تقتضي أن أمره إلى الله، لا إلى الغريم الذي عليه الدَّين، بخلاف الباقي فإنّ للغريم أن يطلب إسقاطَه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}، أي: ذَرُوا ما بقي من الربا في ذِمَمِ الغُرماء، {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} أي: رأس المال من غير زيادة. فقد أمرهم بترك الزيادة وهي الربا، فيسقط عن ذمة الغريم ولا يُطالب بها، وهذه للغريم فيها حقُّ الامتناع من أدائها والمخاصمة على ذلك وإبطال الحجة المكتتبة بها.

وأما ما كان قبضَه فقد قال: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}، فاقتضى أن السالف له للقابض، وأن أمره إلى الله وحدَه لا شريكَ له، ليس للغريم فيه أمرٌ. وذلك أنه لما جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى كان مغفرةُ ذلك الذنب والعقوبة عليه إلى الله، وهذا قد انتهى في الظاهر، فله ما سلفَ، وأمرُه إلى الله، إن علمَ من قلبه صحةَ التوبة غَفَرَ له، وإلَّا عاقبه.

ثم قال: {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، فأمر بترك الباقي، ولم يأمر بردِّ المقبوض.

وقال: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}، لا يشترط منها ما قبض. وهذا الحكم ثابتٌ في حقّ الكافر إذا عاملَ كافرًا بالربا، وأسلما بعد القبض وتحاكما إلينا، فإن ما قبضَه يُحكَم له به كسائرِ ما قبضَه الكفّارُ بالعقود التي يعتقدون حِلَّها، كما لو باعَ خمرًا وقبضَ ثمنَها، ثم أسلمَ، فإن ذلك يَحِلُّ له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أسلمَ على شيء فهو له».(1)

وأما [المسلم] فله ثلاثة أحوال:

تارةً يعتقدُ حِلَّ بعضِ الأنواع باجتهادٍ أو تقليد.
وتارةً يُعامِل بجهلٍ، ولا يعلم أن ذلك ربًا محرَّم.
وتارةً يقبض مع علمه بأن ذلك محرَّم.

أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبيَّن له فيما بعدُ أن ذلك ربًا محرَّم، قيل: يردُّ ما قبضَ كالغاصب، وقيل: لا يردُّه، وهو الأصح؛ لأنه كان يعتقد أن ذلك حلالٌ، والكلام فيما إذا كان مختلفًا فيه مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر إذا تاب يُغفر له ما استحلَّه ويُباح له ما قبضَه، فالمسلم المتأول إذا تاب يُغفَر له ما استحلَّه ويُباح له ما قبضَه؛ لأن المسلم إذا تاب أَوْلى أن يُغفَر له إن كان قد أخذ بأحد قولي العلماء في حِلِّ ذلك، فهو في تأويله أعذَرُ من الكافر في تأويله. وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شرًّا من الكافر.

وقد ذكر فيما يتركه المسلم الجاهل من الواجباتِ التي لم يعرف وجوبها هل عليه قضاء؟ قولان، أظهرهما أنه لا قضاء عليه.

وأصل ذلك أن حكم الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره. ولأحمد روايتان فيما إذا صلى في معاطن الإبل، أو صلَّى وقد أكل لحم الجزور، ثم تبين له النصّ، هل يعيد؟ على روايتين. وقد نصرتُ في موضع أنه لا يُعيد (2)، وذكرتُ على ذلك أدلةً متعددة:

منها: قصة عمر وعمار لما كانا جُنُبَيْنِ، ولم يُصلِّ عمر، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة.(3)
ومنها: أبو ذر لم يأمره أيضًا بالإعادة.(4)
ومنها: المستحاضة التي قالت: مَنَعَتْني الصوم والصلاة.(5)
ومنها: الأعرابي المسيء في صلاته، الذي قال: واللهِ ما أُحْسِنُ غير هذا. فأمره أن يعيد الصلاة الحاضرة؛ لأن وقتها باقٍ وهو مأمور بها، ولم يأمره بإعادة ما صلّى قبل ذلك.(6)
ومنها: الذين أكلوا حتى تبيَّن لهم الخيط الأبيض والأسود، ولم يُؤمَروا بالإعادة.(7)

والشريعة أمرٌ ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب وكذلك النهي، فمَنْ فعلَ شيئًا لم يعلم أنه محرَّم، ثم علم لم يُعاقَبْ. وإذا عامل معاملاتٍ ربويةً يعتقدها جائزةً وقبضَ منها ما قبضَ، ثم جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى فله ما سلف، ولا يكون شرًّا من الكافر، ولو كان قد باع خمرًا أو حشيشةً أوكلبًا لم يَعلم أنها حرام وقبضَ ثمنَها. وسَمُرةُ لما باع وقبضَ ثمنها قال عمر: قاتل الله سمرةَ! ألم يَعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله إذا حَرَّمَ على قومٍ أكلَ شيءٍ حَرَّمَ عليهم ثمنَه؟».(8)

وكانوا يقبضون الخمر جزيةً عن أهل الذمة ثم يبيعونهم إياها، فقال عمر: “وَلُّوهم بيعَها ثمَّ خذوا ثمنها” (9). وما قبضه سمرة لم يذكر أن عمر أمر بردِّه، وكيف يردُّه وقد أخذوا الخمر، ولا نهاه عن الانتفاع به؟ وذلك أن هذا الذي قبضه قبل أن يعلم أنه محرَّم لا إثمَ عليه في قبضه، فإنه لم يكن يعلم أنه محرَّم، والكافر إذا غُفِر له قبضُه لكونه قد تابَ، فالمسلم أَولى بطريق الأَولى.

والقرآن يدل على هذا بقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة:275]، وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه، فقد جعل الله له ما سلف. ويدل على أن ذلك ثابت في حق المسلم ما بعد هذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا}، فأمرهم بترك ما بقي، ولم يأمرهم بردِّ ما قبضوه، فدلَّ على أنه لهم مع قوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}، والله يقبل التوبة عن عباده.

فإذا قيل: هذا مختص بالكافرين.
قيل: ليس في القرآن ما يدلُّ على ذلك، إنما قال: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}، وهذا يتناول المسلم بطريق الأولى. وعائشة قد أدخلت فيه المسلمَ في قصة زيد بن أرقم لما قالت لأم ولده: بئسَ ما شريتِ، وبئسَ ما اشتريتِ، أخبري زيدًا أنه قد حَبِطَ جهادُه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأسَ مالي؟ فقالت عائشة: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}.

بل قد يقال: إن هذا يتناول مَن كان يعلم التحريم إذا جاءته موعظة من ربه فانتهى، فإن الله يغفر لمن تاب بتوبته، فيكون ما مضى من الفعل وجوده كعدمه، والآية تتناوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}، ويدلُّ على ذلك قوله بعد هذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} إلى قوله: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}. والتوبة تتناول المسلم العاصي كما تتناول الكافر، ولا خلاف أنه لو عامله بربا يحرم بالإجماع لم يقبض منه شيئًا، ثم تاب، أن له رأس ماله، فالآية تناولته، وقد قال فيها: {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا}، ولم يأمر بردِّ المقبوض، بل قال قبل ذلك: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}.

وهذا وإن كان ملعونًا على ما أكله وأوكله، فإذا تاب غُفِر له. ثم المقبوض قد يكون اتَّجر فيه وتقلب، وقد يكون أَكَلَه ولم يبقَ منه شيء، وقد يكون باقيًا، فإن كان قد ذهب وجعل دينًا عليه كان في ذلك ضرر عظيم، وكان هذا منفِّرًا عن التوبة، وهذا الغريم يكفيه إحسانًا إليه إسقاطُه ما بقي في ذمته وهو برضاه أعطاه، وكلاهما ملعون.

ولو فُرِض أن رجلًا أمر رجلًا بإتلافِ مالِه وأتلفَه لم يَضمنْه وإن كانا ظالمين، وكذلك إذا قال: اقتل عبدي. هذا هو الصحيح، وهو المنصوص عن أحمد وغيره. فكذلك هذا هو سلط ذاك على أكل هذا المال برضاه، فلا وجهَ لتضمينه وإن كانا آثمين، كما لو أتلفه بفعله، إذ لا فرقَ بين أن يتلفه بأكله أو بإحراقه، بل أكلُه خير من إحراقه، فإن لم يضمنه في هذا بطريق الأولى.

وأيضًا فكثير من العلماء يقولون: إن السارق لا يغرم؛ لئلا يجتمع عليه عقوبتان من أن الحد حقٌّ لله والمال حقٌّ لآدمي. وهذا أولى، لئلا يجتمع على المُربِي عقوبتان: إسقاط ما بقي، والمطالبة بما أكل. وإن كان عين المال باقيًا فهو لم يقبضه بغير اختيار صاحبه كالسارق الغاصب، بل قبضه باتفاقهما ورضاهما بعقدٍ من العقود، وهو لو كان كافرًا ثم أسلم لم يردَّه، وقد قال تعالى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}.

وقد يقال: لا يكون لواحدٍ منهما، كما لو كان ثمنَ خمرٍ أو مهرَ بغيٍّ أو حُلوانَ كاهنٍ، فإن هذا إذا تاب لا يعيده إلى صاحبه، بل يتصدَّق به في أظهر قولي العلماء.

وكذلك لو استأجر رجلًا لحمْلِ خمرٍ، نصَّ أحمد على أنه يُقضَى له بالكراء ولا يأكلُه، لأن الحمل عملٌ مباح فيستحقُّ أجرتَه، ولكن لقصد المستأجر لا يأكله. وكذلك لو باع عنبًا أو عصيرًا ممن يتخذه خمرًا، فإنه يُقضَى له بالثمن بلا ريب إذا تعذَّر ردُّ العنب والعصير، ولا يقول عاقل: إن الذي أخذ العنب وعَصَرَه خمرًا يُعطَى مع ذلك الثمن، لكن غاية ما يقال: إن هذا يتصدق بالثمن.

فإن قيل مثل هذا في الربا قياسًا على هذا، فقد يقال: هنا التحريمُ لحقِّ الله، لأن نَفْسَ عِوَضِ الخمر محرَّم، وهناك التحريم لما فيه من ظلم الآدمي، وإن كان لو رضي به لم يجز؛ لأنه سفيهٌ في ذلك.

وأيضًا ففي ردِّه عليه تسليطٌ لمَنْ يحتال على الناس بأن يأخذها بعقود ربوية فينتفع بها، ثم يطالبهم بما قبضوه، وقد انتفع برأس مالِه مدةً بغير رضاهم، فإنهم لم يُعطُوه قرضًا.

وهذه المسألة تحتاج إلى نظر وتحقيق، وأما الذي لا ريبَ فيه عندي فهو ما قبضَه بتأويلٍ أو جهلٍ فهنا له ما سلف بلا ريب، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر، فإنه قد يُقال: طَرْدُ هذا أن من اكتسب مالًا من ثمنِ خمرٍ مع علمه بالتحريم فله ما سلف. وكذلك كلُّ مَنْ كسب مالًا محرمًا ثم تاب، إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغيِّ وحُلوانِ الكاهن. وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة، فإنها تُفرِّق بين التائب وغير التائب، كما في قوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}، وقال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38]. وهذا في الكفار ظاهر متواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، متفق عليه بين المسلمين، فإن الكافر إذا أسلم لم يجب عليه قضاء ما تركه من صيام وصلاة وزكاة، ولا يحرم ما اكتسبه من الأموال التي كان يعتقدها حلالًا، ولا ضمانَ عليه فيما أتلفَه، لأنه كان يعتقد حِلَّ ذلك.

وأما المسلم إذا تاب ففي قضاء الصلاة والصيام نزاع، ومما يُقوّي هذا أن هذا المال لا يتلف بلا نزاع، بل إما أن يتصدق به، وإما أن يدفع إلى الزاني والشارب الذي أخذ منه مع كونه مُصِرًّا، وإما أن يُجْعَل لهذا القابض التائب.

فإذا دفعه إلى الزاني والشارب فلا يقوله مَن يتصوَّر ما يقول، وإن كان من الفقهاء مَن يقوله، فإنّ في هذا فسادًا مضاعفًا، فإن ذلك كان ممنوعًا من الشرب والزنا ولو بذل العِوَض، فإذا كان قد فعله بعِوَض وأُعِيد إليه العِوَض كان ذلك زيادةَ إعانةٍ له وإغراء له بالسيئات.

وأما الصدقة فهي أوجَهُ، لكنْ يقال: هذا الباب أحقُّ به من غيره، ولا ريب إن كان صاحب هذا الباب فقيرًا فهو أحقُّ به من غيره من الفقراء، وبهذا أفتيتُ غير مرةٍ، وإذا كان التائب فقيرًا يأخذ منه حاجته، فإنه أحقُّ به من غيره، وهو إعانة له على التوبة، وإن كُلِّف إخراجَه تضرَّر غايةَ التضرُّر ولم يتُبْ. وأيضًا فلا مفسدةَ في أَخْذِه، فإنّ المال قد أخذه وخرج عن حكم صاحِبه، وعينُه ليست محرمة، وإنما حرم لكونه استُعِين به على محرم، وهذا قد غُفِر بالتوبة فيحلُّ له مع الفقر بلا ريب، وأخذُ ذلك له مع الغنى وجهٌ، وفيه تيسيرُ التوبة على من كسب مثل هذه الأموال.

وأما الربا فإنه قبض برضا صاحبه، والله سبحانه يقول: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}، ولم يقل: فمن أسلم، ولا من تبيَّنَ له التحريم، بل قال: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى}، والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه، قال الله تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17]، وقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء:63].

وأيضًا فهذا وَسَطٌ بين الغريمين، فإن الغريم المدين ينهى أن يسقط عنه الزيادة، وهذا عنده غاية السعادة، وذلك لا ينهى أن يبقى له ما قبض، وقد عفا الله عما مضى. وأما تكليف هذا إعادة القرض فذلك مثل مطالبة الغريم بما بقي، وكلاهما فيه شططٌ وشدَّةٌ عظيمة، فهذا هذا. والله أعلم.


حاشية التعليقات:

(1) قال محقق الكتاب: أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9/113) من حديث أبي هريرة، وإسناده ضعيف، و له شواهد موصولة ومرسلة يلاتقي بها إلى الحُسن. انظر: إرواء الغليل (6/157).

(2) انظر: مجموع الفتاوى (41-46 /22) ، قال رحمه الله:

“… وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَثْبُتُ الْخِطَابُ إلَّا بَعْدَ الْبَلَاغِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} وَقَوْلِهِ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وَلِقَوْلِهِ: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدٌ، بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا حَتَّى يَبْلُغَهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَآمَنَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَثِيرًا مِمَّا جَاءَ بِهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ عَلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُعَذِّبْهُ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبْهُ عَلَى بَعْضِ شَرَائِطِهِ إلَّا بَعْدَ الْبَلَاغِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ…”

(3) روى البخاري في صحيحه (338) ومسلم (368)، من حديث عبد الرحمن بن أبزي، واللفظ للبخاري: عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا “. فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ؟

(4) الحديث في سنن أبي داود (333): عن رجلٍ من بني عامر، قال: دَخَلتُ في الإسلام، فأهمَّني ديني، فأتيتُ أبا ذَر، فقال أبو ذَرّ، إني اجتوَيَتُ المدينةَ، فأمَرَ لي رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – بذَوْدٍ وبغَنَمٍ، فقال لي: “اشرَبْ مِن ألبانِها” -وأشكُّ في “أبوالها”- فقال أبو ذرّ: فكنتُ أعزُبُ عن الماءِ ومعي أهلي، فتُصيبُني الجَنابةُ، فأصلّي بغيرِ طهورٍ، فأْتيتُ رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم -بنصفِ النَّهارِ، وهو في رَهْطٍ مِن أصحابِه، وهو في ظِل المَسجِدِ، فقال: “أبو ذر! ” فقلتُ: نعم، هَلَكتُ يا رسولَ الله، قال: “وما أهلَكَكَ”؟ قلتُ: إنِّي كنتُ أعزُبُ عن الماءِ ومعي أهلي، فتُصيبُني الجَنابةُ فأُصلِّي بغير طهورٍ، فأَمَرَ لي رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – بماءٍ، فجاءت جاريةٌ سَوداءُ بعُسٍّ يَتَخَضخَضُ ما هو بمَلآن، فتَسَتَّرتُ إلى بعيرٍ، فاغتَسَلتُ، ثمَّ جِئتُ، فقال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: “يا أبا ذر، إنَّ الصَّعيدَ الطَّيِّبَ طَهورٌ، وإن لم تَجِدِ الماءَ إلى عَشرِ سِنينَ، فإذا وَجَدتَ الماءَ فأَمِسَّه جِلدَكَ

قال شعيب الأرنئووط: صحيح لغيره دون قوله: “وأبوالها” فقد تفرد بها حماد -وهو ابنُ سلمة البصري- وشك فيها، وخالفه حماد بن زيد فيما ذكر المصنف -وهو أضبط من ابن سلمة- فلم يذكرها. وهو بطوله دون وصف الألبان والأبوال في “مسند أحمد” (21304). وأخرج قوله: “إن الصعيد الطيب طهور … ” النسائي فى “الكبرى” (307) من طريق سفيان، عن أيوب، بهذا الإسناد. وسمى سفيان الرجل عمرو بن بجدان. وهو في “صحيح ابن حبان” (1313).

(5) أبو داود (287) والترمذي (128)، وابن ماجه (622) و (627) ، من حديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها.

(6) البخاري (757) ، (793) ومسلم (397) من حديث أبي هريرة.

(7) البخاري (1917) ، (4511)، ومسلم (1091) عن سهل بن سعد.

(8) البخاري (2223) ، (3460) ومسلم (1582) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(9) عبد الرزاق في المُصنف (8/195)


ولمزيد فائدة حول نفس الموضوع يرجى مطالعة المقالات التالية:

خلاصة كتاب: “أحكام المال الحرام وضوابط الانتفاع والتصرف به في الفقه الإسلامي”

المالُ المُكتسب من طريق مُحرمٍ و شيءٌ من أحكامه الفقهية…!

وصل اللهم وسلم على محمد وعلى وآله وصحبه والتابعين،،،

هاني حلمي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s