تركُ الصلاة مطلقاً و أثره على عقد النكاح…!

هذه فتوى للشيخ بن عثيمن، و هي نفيسةٌ جامعةٌ مانعةٌ معززةٌ بالأدلة في حكم تارك الصلاة و أثر ذلك على عقد النكاح

بناء على القول بكفر تارك الصلاة ، يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

” … إذا تزوج الرجل الذي لا يصلي بامرأة تصلي فإن النكاح باطل لا يصح، فإن هداه الله تعالى إلى الإسلام وصلى وجب إعادة عقد النكاح من جديد، أما إذا طرأ عليه ترك الصلاة بعد النكاح مثل أن يتزوجها وهو يصلي وهي تصلي ثم بعد ذلك والعياذ بالله ترك الصلاة فإن النكاح ينفسخ ويبقى الأمر موقوفاً إلى انقضاء عدتها، فإن عاد إلى الصلاة قبل أن تنقضي العدة فهي زوجته، وإن بقي تاركاً للصلاة حتى انقضت عدتها فإنه يتبين انفساخ النكاح من حين ترك صلاته ولها أن تتزوج بغيره، فإن بقيت على عدم الزواج تنتظر لعل الله يهديه فيصلي ثم صلى بعد ذلك فلها أن ترجع إليه ولو بعد انتهاء العدة على القول الصحيح الراجح.”


و هذه الفتوى كاملة ، و فيها أدلة كفر تارك الصلاة…

السؤال:

محسن عبد القادر رزق من جمهورية مصر العربية يقول: كنت أتابع برنامجكم الأكثر من رائع بارك الله فيكم ونفعنا بكم، وشغلتني إجابتكم عن أحد الأسئلة في حلقة مضت وكانت تفيد وجوب إعادة عقد قران اثنين تم عقد قرانهما في فترة لا يقيمان فيها الصلاة، بمعنى: أن عقد القران وقع باطلاً بطلاناً مطلقاً، والسؤال: لو قطع أحدهما الصلاة بعد عقد القران أكثر من ثلاثة أيام هل يبطل العقد ثانية ولو تكرر من أحدهما أو كلاهما قطع الصلاة أكثر من ثلاثة أيام ثلاث مرات ولو تكاسلاً فما الحكم في هذه الحالة؟

الجواب:

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

هذا سؤال مهم جداً؛ لأن حاجة الناس إلى معرفته من أهم ما يكون، وهو مبني على القول بكفر تارك الصلاة، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فذهب بعضهم: إلى أن ترك الصلاة لا يوجب الكفر، وإنما هو فسق من جملة الفسوق، ثم اختلف هؤلاء القائلون بذلك: فمنهم من قال: إنه يدعى إلى الصلاة، فإن صلى وإلا قتل حداً، ومنهم من قال: إنه لا يقتل بل يعزر.

وذهب بعض أهل العلم: إلى أن تارك الصلاة يكفر كفراً أكبر مخرجاً عن الملة، والميزان عندما يختلف أهل العلم في حكم مسألة من المسائل هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾، وبين الله سبحانه وتعالى لنا كيف يكون ذلك التحاكم، فقال: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، ولا عبرة بقول الأكثر إذا كان قد دل الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على رجحان القول الأقل؛ لأن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ﴾، يشمل ما إذا كان المتنازعان مستويي الطرفين أو كان أحدهما أقل أو أكثر، وإذا رددنا هذه المسألة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجدنا أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يدلان على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة.

أما كتاب الله فاستمع إليه حيث يقول سبحانه وتعالى:﴿ فَإِنْ تَابُوا﴾، يعني: المشركين من الشرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾، هذه الآية تدل على أن من لم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة فليس أخاً لنا في الدين كما أنه إذا لم يتب من الشرك فليس أخاً لنا في الدين؛ وذلك أن الله رتب الأخوة في الدين على شرط متكون من ثلاث صفات: وهي التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن المعلوم أن ما توقف على شرط فإنه لا يتحقق إلا بوجود ذلك الشرط، فالأخوة في الدين لا تتحقق إلا باجتماع هذه الأوصاف الثلاثة، فلو أنهم تابوا من الشرك ولم يقيموا الصلاة فليسوا إخوة لنا في الدين، ولو تابوا من الشرك وأقاموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخوة لنا في الدين، هذا ما تدل عليه هذه الآية الكريمة المكونة من شرط وجزاء، ولا يمكن أن تنتفي الأخوة الدينية إلا بالخروج من الدين، الأخوة الإيمانية لا يمكن أن تنتفي بمجرد المعاصي ولو عظمت.

وليستمع السائل إلى قوله تعالى في آية القصاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، ومن المعلوم أن قتل المؤمن من أكبر الذنوب، حتى إن الله قال فيه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، وإذا كان هذا الذنب العظيم لا يخرج من الإيمان دل هذا على أن الذنوب لا تخرج من الإيمان، وأنه لا يخرج من الأخوة الإيمانية إلا ما كان كفراً، كذلك استمع إلى قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، ومعلوم أن قتال المؤمن لأخيه من كبائر الذنوب حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعله كفراً، فقال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر »، لكن هذا ليس كفراً مخرجاً عن الملة؛ لثبوت الأخوة الإيمانية معه، ولو كان مخرجاً من الملة ما ثبتت الأخوة الإيمانية معه. إذاً: فالمعاصي لا تخرج الإنسان من الأخوة الإيمانية، ولا يخرجه من الأخوة الإيمانية إلا الكفر، وإذا رجعنا إلى آية براءة التي استدللنا بها على كفر تارك الصلاة وجدنا أنها تدل على أن من لم يصل فقد انتفت منه الأخوة الإيمانية، فيكون حينئذٍ كافراً كفراً مخرجاً عن الملة.

فإن قال قائل: الآية فيها ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وهذا يدل على أن من لم يزك فهو كافر؟ أيضاً قلنا: نعم، وقد قال بذلك بعض أهل العلم: بأن من لم يزك ولو بخلاً فإنه يكون كافراً، ولكن الأدلة تدل على أن هذا قول مرجوح، وأن من لم يزك فقد تعرض لعقوبة عظيمة ولكنه لا يخرج من الإيمان.

ومن الأدلة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة رضي الله عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: « ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار»، وحقها هو الزكاة كما تفيده الرواية الأخرى، وإذا كان هذا المانع للزكاة يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار دل على أنه لا يكفر؛ لأنه لو كفر كفراً مخرجاً عن الملة لم يكن له سبيل إلى الجنة، وعلى هذا فيكون منطوق هذا الحديث مقدماً على مفهوم الآية الكريمة، ومن القواعد المقررة في أصول الفقه أن المنطوق مقدم على المفهوم.

وأما الأدلة من السنة على كفر تارك الصلاة فما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، وفي السنن من حديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العهد الذين بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة حداً فاصلاً بين الإيمان والكفر والشرك وبين المؤمنين والكافرين، والحد الفاصل إذا تجاوزه الإنسان فقد خرج من الدائرة الأولى إلى الدائرة الثانية، وعلى هذا فإن من لم يصل فقد خرج من الإيمان إلى الكفر وخرج من المسلمين إلى الكافرين.

وأما أقوال الصحابة رضي الله عنهم فإنه قد نقل إجماعهم الإمام إسحاق بن راهويه وقال عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من التابعين: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، وهذا نقل لإجماعهم،

وكما دل على ذلك الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، فإنه قد دل عليه العقل والنظر، فإن أي إنسان يؤمن بما لهذه الصلاة من الأهمية والعناية لا يمكن أن يحافظ على تركها وفي قلبه شيء من الإيمان، فالصلاة كما هو معلوم فرضها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بدون واسطة من الله جل وعلا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم في أعلى مكان يصل إليه بشر وفي أفضل ليلة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفرضها الله على عباده خمسين صلاة في اليوم والليلة حتى خففها عنهم بفضله وكرمه فصارت خمس صلوات بالفعل وخمسين في الميزان، وهذا يدل على عناية الله بها وأنها متميزة عن باقي الأعمال بميزات عظيمة، فما أجدرها وأحراها بأن يكون تركها كفراً بالله عز وجل، ولا يمكن أن يكون في قلب الإنسان عرف أهمية الصلاة ومنزلتها أن يدعها ويحافظ على تركها، وإذا كان قد دل الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والنظر الصحيح على كفر تاركها،

فإنني قد تأملت أدلة من قالوا بعدم التكفير فوجدتها لا تخلو من أحوال أربع:

إما أنه لا دلالة فيها بوجه من الوجوه.

وإما أنها مقيدة، بمعنى: لا يمكن معه ترك الصلاة.

وإما أنها وردت في حال يعذر فيها بترك الصلاة.

وإما أنها عامة خصصت بأدلة كفر تارك الصلاة.

وحينئذ فيتعين القول: بكفر تارك الصلاة، ومن العجب أنهم أجابوا عن الأدلة الدالة على كفر تاركها بأن حملوها على من تركها جحداً، وهذا الحمل لا شك أنه ضعيف؛ لأنهم إذا حملوها على أن ذلك لمن تركها جحداً فقد ألغوا الوصف الذي اعتبره الشرع وهو الترك وأتوا بوصف لم يعتبره الشارع.

والشارع لم يقل: من جحدها، بل قال: من تركها، والنبي عليه السلام أعلم الناس بما يقول وأفصحهم فيما ينطق وأنصحهم فيما يريد عليه الصلاة والسلام، لا يمكن أن يريد من جحدها ثم يعبر عن ذلك بالترك؛ لما علم من الفرق العظيم بين الجحد وبين الترك.

ثم نقول: مجرد الجحد كفر ولو صلى، فإن الإنسان لو جحد فرضية الصلوات الخمس وهو يصليها ويحافظ عليها يكون كافراً، وحينئذٍ يكون قوله عليه الصلاة والسلام: «من تركها» لا قيمة له إطلاقاً إذا حملناه على الجحد.

ثم نقول أيضاً جحد الصلاة موجب للكفر بلا شك، لكن جحد الزكاة أيضاً موجب للكفر، وجحد الصيام موجب للكفر، وجحد الحج -أي: فرضيته- موجب للكفر، فهلا قال النبي عليه الصلاة والسلام: فمن ترك الزكاة ومن ترك الصيام ومن ترك الحج، إذن فحمل الترك هنا على الجحود لا شك أنه ضعيف مردود، ويجب أن تبقى الأدلة على ما جاءت به وعلى ما وردت به.

وبناءً على ذلك نقول: إذا تزوج الرجل الذي لا يصلي امرأة مسلمة فإن نكاحه باطل، وقد أجمع المسلمون على أن المسلمة لا تحل لكافر، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وقد اشتبه على بعض الناس هذه المسألة حتى ظنوا أنها من جنس الكافرَين إذا أسلما فإنه لا يجب إعادة نكاحهما، وهذا ليس كذلك، فإن الكافرين الأصل بقاء نكاحهما على ما كان عليه وكلاهما كافر، وأما هذا فهو بين كافر ومسلمة أو بين مسلم وكافرة، إذا كان الزوج يصلي وهي لا تصلي فبينهما فرق عظيم، والمرتد ليس كالكافر الأصلي كما هو معلوم عند أهل العلم، وعلى هذا فلا يصح قياس بل هو من الشبهة التي قد تعرض لبعض الناس، فنقول: إذا تزوج الرجل الذي لا يصلي بامرأة تصلي فإن النكاح باطل لا يصح، فإن هداه الله تعالى إلى الإسلام وصلى وجب إعادة عقد النكاح من جديد، أما إذا طرأ عليه ترك الصلاة بعد النكاح مثل أن يتزوجها وهو يصلي وهي تصلي ثم بعد ذلك والعياذ بالله ترك الصلاة فإن النكاح ينفسخ ويبقى الأمر موقوفاً إلى انقضاء عدتها، فإن عاد إلى الصلاة قبل أن تنقضي العدة فهي زوجته، وإن بقي تاركاً للصلاة حتى انقضت عدتها فإنه يتبين انفساخ النكاح من حين ترك صلاته ولها أن تتزوج بغيره، فإن بقيت على عدم الزواج تنتظر لعل الله يهديه فيصلي ثم صلى بعد ذلك فلها أن ترجع إليه ولو بعد انتهاء العدة على القول الصحيح الراجح.

أما ما ذكره السائل من كونه ترك الصلاة ثلاثة أيام أو نحو ذلك فإنه لا يكفر بهذا؛ لأن ظاهر الأدلة فيمن تركها تركاً مطلقاً، وأما كونه يصلي يوماً ويدع يوماً أو يصلي صلاة ويدع صلاة مع إقراره بفرضيتها فإنه لا يكفر بذلك، وعلى هذا فلا ينفسخ النكاح ولكن يجب أن يؤمر هذا بالصلاة ويؤدب على تركها حتى يستقيم ويصلي جميع الصلوات.

نعم. السؤال: إن كان الزوجان وقت عقد النكاح كلاهما لا يصليان؟
الشيخ: إذا كان الزوجان كلاهما لا يصليان وقت العقد فإن العقد لا يصح أيضاً، وقد ذكر أهل العلم أن المرتد لا يصح أن يتزوج بمرتدة، وعلى هذا فيكون نكاحهما جميعاً باطلاً.

السؤال: ولا يقاس في مثل هذه الحالة على نكاح الكفار؟
الشيخ: لا يقاس في مثل هذه الحالة على نكاح الكفار؛ لأن حكم الكافر الأصلي غير حكم الكافر المرتد، إذ أن الكافر المرتد كان مطالباً بالتزام أحكام الإسلام، فيجب أن يطبق النكاح على ما تقتضيه الشريعة من أن يكون في حال يصح منه ذلك بخلاف الكافر الأصلي.

السؤال: إنما وجوب عقد النكاح أو وجوب تجديد العقد بين الزوجين في مثل هذه الحالة لا يؤثر على شرعية الأولاد والعشرة الماضية؟
الشيخ: إذا كان الزوج حين تزوجها في حال لا يصح منه نكاحها وهو يعتقد أن النكاح صحيح فإن الأولاد الذين خلقوا من مائه يعتبرون أولاداً شرعيين؛ لأن أكثر ما يقال فيهم: إنهم من وطء شبهة، ووطء الشبهة يلحق به النسب كما ذكره أهل العلم وحكاه شيخ الإسلام ابن تيمية إجماعاً. نعم.

المصدر: سلسلة فتاوى نور على الدرب > الشريط رقم [126]


ثم وجدتُ هذه الفتوى لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، ضمن “جامع المسائل – المجموعة الرابعة”، نشرة عالم الفوائد، ص 141، وهي جزء من الفتاوى المصرية المفقودة، وهذا نصها:

مسألة

فيمن عنده زوجةٌ ما تُصلي، هل تَحرمُ عليه؟ أو يَنْفَسِخُ العقدُ الذي عُقِدَ بينهما؟ ولها عليه صداقٌ ثقيل ولم يَقْدِرْ على شي؟ منه، ويخافُ إنْ يُفارِقْها يُطَالَبْ بشيٍ لا يَقدِرُ عليه.

الجواب

الحمد لله، أما إقرار الزوجةِ أو غيرِها ممن هو تحت طاعةِ الرجل على ترك الصلاة فهو حرام بإجماع المسلمين، والمُقِرُّ على ذلك مع القدرة على الإنكار آثم فاسقٌ عاص بلا نزاع، بل الأمرُ بالصلاة لمن ليسَ تحت طاعةِ الرجل فرض على الكفاية، إذا تركَه الناسُ عَصَوا وأَثِمُوا، واستحقوا جميعهم عقابَ الله، فكيف تَرْكُ الأمرِ بذلك لمن هو في طاعته؟ وقد قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) سورة طه: 132، وما أمر اللهُ به نبيه فهو أمرٌ لأمته ما لم يَقُمْ دليل على التخصيص، ولا تخصيصَ هنا بالاتفاق، فيجبُ على كل مسلم أن يأمر أهلَه بالصلاة. وكذلك قال تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ) سورة التحريم: 6، قال عليه الصلاة والسلام: عَلِّموهم وأدِّبُوهم.

وإذا عَلِمَ الرجلُ أن المخطوبة لا تصلي كان تزوُّجُه أشَرَّ مما إذا علِمَ أنها قَحْبةٌ أو سارقةٌ أو شاربةُ خمر، فإن تاركَ الصلاة شرٌّ من السارق والزاني باتفاق العلماء، إذْ تاركُ الصلاة سواءٌ كان رجلاً أو امرأةً يَجِبُ قتلُه عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد، والسارقُ لا يَجبُ قتله، ولا يَجبُ قتلُ الزانية التي لم تُحصن باتفاق العلماء، وإنَ كانت بكرًا بالغًا عند أبوَيها وهي لا تصلي كانت شرًّا من أن تكون قد زَنَتْ عندَهم أو سَرَقَتْ، وإذا كان الناسُ كلُّهم يُنكِرون أن يتزوَّجَ الرجلُ بسارقةٍ أو زانيةٍ أو شاربةِ خمر ونحو ذلك فيجبُ أن يكون إنكارُهم لِتزوُّجِ من لا تصلِّي أعظمَ وأعظمَ باتفاق الأئمة. فإنّ التي لا تصلي شرٌّ من الزانية والسارقة وشاربة الخمر.

وليس لقائل أن يقول: فالمسلمُ يَجوزُ له أن يتزوَّجَ اليهوديةَ والنصرانيةَ، فكيف بهذه؟ لأنَّ اليهودية والنصرانية تُقَرُّ على دينها، فلا تُقْتَل ولا تُضْرَب، وأما تاركُ الصلاة والسارق والشارب والزاني فلا يقر على ذلك، بل يُعاقَب إما بالقتلِ وإما بالقطع وإما بالجَلْد، وإن كان عقابُه في الآخرة أخف من عقاب الكافر، لكن لا يجوز لغيره أن يُقِرَّه على فسقِه، فمن أقرَّ فاسقًا على فسقِه ولم ينكر عليه كان عاصيًا آثمًا، ومن أقر ذميًا على دينه لم يكن آثمًا ولا عاصيًا، وقد قال تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) سورة النور: 26، أي النساء الخبيثات للرجال الخبيثين، والنساء الطيبات للرجال الطيبين، والخبيثة هي الفاجرة، فهي للرجل الخبيث الفاجر.

والخُبْثُ إنْ قيلَ المرادُ به الزنا دل على أن تزوجَ الزانيةِ لا يجوزُ حتى تتوب، وهو أصحُّ قولَي العلماء، لقوله تعالى: (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) سورة النور:3، ولأن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَهَى رجلاً أن يتزوَّج امرأة كان يزني بها اسمها عَنَاق [أخرجه أبو داود (2051) والترمذي (3177)]، وأنزَل الله هذه الآية في ذلك، ولهذا كان المتزوجُ بها مذمومًا عند عامةِ العقلاء، حتى يقال: شَتَمَهُ بالزين والقاف، أي قال له: يا زوجَ القَحْبَة. والحديثُ الذي يُروَى في الرجل الذي قال: إن امرأتي لا تَردُّ كف لامسٍ، قد ضعَّفُوه [أخرجه أبو داود (2049) والنسائي (6/ 67، 169، 170) عن ابن عباس.]، ولا شكَّ أنَّ الزانيةَ يُخافُ منها إفسادُ الفراش، وهو من هذا الوجه شرٌّ من غيرها، بخلاف مَن كان فسقُها بغير ذلك، ولهذا يقال: ما بَغَتِ امرأةُ نبى قط، لكن عقوبةَ المرأة التي تَترك الصلاةَ أعظمُ من عقوبةِ بعض البغايا فالمتزوجُ بها يكون قد أقر في بيته من المنكرات أعظمَ من أن يُقِر عنده أختَه الزانية وبنتَه الزانية.

وأما انفساخ النكاح بمجرد التركِ فلا يُحكَم بذلك، لكن إذا دُعِيَتْ إلى الصلاة وامتنعتْ انفسخَ نكاحُها في أحد قولَي العلماء، وفي الآخر لا ينفسخ، لكن على الرجل أن يقومَ بما يَجبُ عليه.

وليس كلُّ من وجبَ عليه أن يطلِّقَها ينفسخُ نكاحُها بلاَ فعله، بل يقال له: مرْها بالصلاة وإلاّ فَارِقْها، فإن كان عاجزًا عن ذلك لِثِقَلِ صَداقِها كان مُسِيْئًا بتزوجه مَن لا تُصلِّي على هذا الوجه، فيتوبُ إلى الله من ذلك، ويَنوِيَ أنه إذا قَدَرَ على أكثر من ذلك فَعَلَه، والله أعلم.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s