“بت كوين” و أخواتها… نظرة في الحُكم الشرعي للعُملات المُشفرة!

بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله،

“بت كوين” أو العملات المُشفرة، ما هي؟ و ما تكييفُها الفقهي و حكمُها الشرعي؟

حاولت أن أجد إجابةً لهذا السؤال، و أن يكفيني عناء البحث و الفتوى أحد كبار أهل العلم، فبحثتُ الشبكة العنكبوتيه أنشد ضالتي، فرجعت صفر اليدين خالي الوِفاض، إلا من أغمارٍ لا يتورعون في قولهم [تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ]، و أي شهادة أعظم من تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله!

فحملني ذلك على بحث المسألة لنفسي أولاً، ثم لعرضها على من هو أعلم مني، فإن أصبتُ فمن الله عز و جل، و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان، و لا حول و لا قوة إلا بالله.

و لقد ترددتُ كثيراً في نشر هذا المقال ،خوفاً من أن أعدو قدري و خوفاً من الخطأ، و حسبي أنني لم أجزم بأن هذا حكم الشرع، بل هي نظرة فيه، و النظر يصيبُ و يخطيء … و كل مجتهد مصيب (أجراً)، و لا يلزم أن يصيب (حقاً)، شريطة أن يبين مأخذ اجتهاده و دليله، و هذا ما بينته في هذا البحث، و لا أحل لأحدٍ أن ينقل قولي دون أن يبين مأخذه و دليله و مناطه الذي نيط به، فإن الحكم يدور مع علته وجوداً و عدماً، و الفتوى تتغير بتغير الأحوال، و عالم المال سريع التغير لا يكادُ يُلحق…

و لم أتقيد في بحثي برسوم البحوث الأكاديمية، بل جاء المقال إشكالاً يجر سؤالاً يجر جواباً، و عزوت ما يستحق العزو دون تكلف في العرض، فإنما غرضي من بحثي هو العلم الخالص، و الله عز و جل هو المسئول أن يصحح منا النوايا و يسدد الخُطى.

و خطة البحث هي محاولة الإجابة عن هذه الإشكاليات التي وقعت في نفسي، و أكتفي منها بالإشكاليات التي قد يكون لها أثر في استنباط الحكم الشرعي:

ما هو “بت كوين” و ما هو مفهوم العُملات المُشفرة؟

ما الحاجة و الدواعي لظهور “بت كوين”؟

هل “بت كوين” نقود (عُملة) أم عروض (سلعة)؟

و إن ترجّح أن “بت كوين” جنس من النقود، فهل يجري فيها أحكام النقود؟

و إن ترجّح أن “بت كوين” جنس من النقود، فهل يجوز لغير ولي الأمر إصدار النقود؟

هل “بت كوين” مضمونة على مُصدرها؟ و ما هو ضمانها؟

و ما هو حكمُ الإتجار في “بت كوين”؟ و الفرق بين الصرف و المتاجرة و المضاربة في العُملة؟

و ما حُكم الأجرة على ما يُعرف بالتنقيب؟ و ما تكييفه الفقهي؟


و أشرعُ في المقصود بحول الله و قوته:

ما هي “بت كوين” و  ما هو مفهوم العُملات المُشفرة؟

كما في قسم الأسئلة الشائعة من موقع “بت كوين” العملة الأشهر من فصيلة العملات المشفرة:

” البت كوين هو أول تطبيق لمفهوم يطلق عليه اسم “cryptocurrency” أو العملة المشفرة، والذي تم الحديث عنه لأول مرة في عام 1998 من قبل “Wei Dai” في قائمة cypherpunks البريدية، كانت فكرة الكاتب تتمحور حول شكل جديد من المال يعتمد التشفير للتحكم في إنشاءه والتعامل به، بديلاً عن السلطة المركزية.”

و قد بلغ عدد العُملات المشفرة 1108 عملة، تبعاً لإحصاء موقع https://coinmarketcap.com ، و قد بلغت القيمة السوقية لجميع العملات المتداولة كما في 12/09/2017 – ما يعادل 150,150,431,463 دولار أمريكي، تتربع “بت كوين” قمة التصنيف بقيمة سوقية تعادل 1,603,590,000 دولار أمريكي، و بلغ سعر صرف “بت كوين” الواحد أمام الدولار الأمريكي 4,020 دولار في نفس التاريخ.

و بناءً على ذلك ” بت كوين” هي نوع من جنس ما يعُرف “بالعُملات المُشفرة”.

فما هي العُملات المُشفرة؟

بالبحث عن هوية المدعو “Wei Dai” ، تقول عنه “ويكيبيديا” أنه كان يعمل في شركة مايكروسوفت في دراسة لها علاقة بالتشفير الإلكتروني، و له مشاركة في برمجة بعض تطبيقات التشفير، و قد أشعل شرارة العُملات المُشفرة بورقة كتبها في 1998 بعنوان : “b-money, an anonymous, distributed electronic cash system” ، أو ” نظام النقد الإلكتروني المُقنع المُوزع”، فهو من المُنظرين الأوائل لمفهوم العُملات المُشفرة.

والرجل لا يدعي أنه مطور “بت كوين”، بل ينسب فضل خروج الفكرة للنور -وجعلها تطبيقاً عملياً- لرجل أخر اسمه Satoshi Nakamoto، في 2009، و هذا الأخير مجهول الهوية، ثم انتشرت برمجة أكواد العملات المُشفرة بعد ذلك … و انظر كلام “Wei Dai” على الرابط التالي.

و عودة لورقة “Wei Dai”، و التي حصلت على نسخة منها منشورة على موقعه على الشبكة، أشار فيها  للخصائص العامة لنظام العملة المُشفرة، استخلصت منها:

  • أنها نظام لمجموعة من الشفرات الغير قابلة لتتبع الهوية الحقيقية لأطرافها ليدفع الناس بعضهم البعض و يتمموا عقودهم دون الاستعانة بمساعدة وسيطة، فلا بنوك و لا سُلطة و لا دولار و لا يورو.
  • و أشار أنه غرضه إيجاد بروتكول لصنع المال و تداوله في مجتمع من المتعاملين من دون تدخل السلطة المركزية و الحكومات، مع بقاء هوية المتعاملين خفية لا يمكن تتبعها.
  • أن كل واحد من المتعاملين في هذا النظام يمكنه صنع العملة و استخراجها [و هو ما عُرف فيما بعد “بالتنقيب”] و يكون ذلك في مقابل الطاقة و الوقت المبذولين في معالجة و حل معادلات رياضية تزداد تعقيداً تبعاً للعرض و الطلب، و هي ما يحدد قدر المال المكتسب من عملية “التنقيب”.
  • التعامل بين أفراد النظام يتم عن طريق الخصم و الإضافة من حساب كل متعامل، و كل معاملة لها نظام معقد من الشفرات، و كل التعاملات تكون مسجلة في سجل رئيسي واحد يتشاركه كل المتعاملين [و هو ما عُرف فيما بعد بما يسمى الـ “block chain” أو سلسلة البلوكات].

و يمكن تلخيص وصف العملة المشفرة، و تحديداً نوع ” بت كوين” بوصف جامع كما يلي:

عُملة “بت كوين” الواحدة هي وحدة من عدد محدود من الوحدات الرقمية، و التي تمثل بمجموعها جميع وحدات العملة، و التي يمكن تداولها بين الناس بأسماء و هويات مُشفرة، و تحمل كل عملية تداول تشفير وحيد خاص بها لا يمكن عكسه، و يتم تسجيل جميع المعاملات في سجل واحد رئيسي يتشاركه جميع مستخدمي العملة،  و يمكن الحصول على العملة بشرائها بأي عملة ورقية أخرى، أو عن طريق عملية التنقيب التنافسي.

و النقيب التنافسي هو عملية تضمن تدقيق المعاملات على شبكة بت كوين وتتم باستخدام أجهزة كمبيوتر ذات معالجات خاصة و قوية، و هي عملية تنافسية تعتمد على الحظ، و عندما يتمكن المُنقب من تدقيق معاملة ما فإنه يحصل على نسبة ضئيلة من قيمة المعاملة، و كذلك يحصلون على بت كوين جديدة، محسوبة بمعادلة متناقصة، حتى يتم استخراج 21 مليون بت كوين بحلول 2040.

ما الحاجة و الدواعي لظهور بت كوين؟

الذي يظهر لي من التنظير للبت كوين، أنها ثورة على الأنظمة الرأسمالية المُتحكمة في إصدار النقود و تحديد قيمتها، كالفيدرالي الأمريكي و البنوك المركزية، و أنها محاولة لخلق عُملة لا تخضع لسلطة أحد، إلا لسلطة مجتمع المتعاملين بها، فلا يمكن للحكومات احتساب الضرائب عليها أو حجزها، و لا يمكن إنفاقها إلا بموافقة صاحبها، لأنه هو الوحيد الذي يمتلك شفرتها.

و يعتقدون أن العُملات المُشفرة محصنة ضد ظلم الحكومات، المتمثل في رفع و خفض معدلات الفائدة و التضخم الناتج عن زيادة طبع النقود، و كذلك للحد من التقلبات و الأزمات المالية، و التي يعتبرون الساسة و رجال الاقتصاد هم سببها الرئيسي، بما عندهم من مكر و خداع و غش للمتعاملين بالنقود الورقية.

و لقد شاهدت كثيراً من التقارير المصورة عن ” بت كوين”، و استمعت لخطابات المُنظرين لها، ووجدتُ هذا النفسَ الثوري حاضراً بقوة في خطاباتهم، ساخطين على النقود الورقية و الأنظمة الرأسمالية المتحكمة بها، واصفين إياهم بالجزارين و الإرهابيين.

و يرى المنظّرون للبت كوين أنهم أمام نقلة حضارية جديدة في ثقافة البشر، يشبهونها باختراع الإنترنت، و يصفون بت كوين بنقود الإنترنت، و أنها اقتصاد مواز و منافس للإقتصاد التقليدي، بل تذهب طموحات بعضهم أنها ستقضي عليه في النهاية!

و من جهة أخرى ترى بعض الحكومات و الجهات الرقابية أن هذه العملات المشفرة ذات الهوية الخفية لأصحابها ما هي إلا وسيلة لتسهيل العمليات المشبوهة على الإنترنت العميق (deep web) ، و من ثمَّ الإفلات من رقابة الحكومات التي يمكنها تتبع التحويلات المالية، و مثال ذلك موقع (silk road) الذي يبيع المخدرات و خلافها من الممنوعات عن طريق بت كوين.

هل بت كوين نقود (عُملة) أم عروض (سلعة)؟

إجابة هذا السؤال يتوقف عليه كثير من الأحكام الشرعية الخاصة بالمعاملات، فإن أحكام النقود تختلف عن أحكام السلع، في ما يخص أحكام البيع و الربا و الصرف و السلم و غيرها… و لإجابة هذا السؤال يجب أولاً معرفة حد العملة أو النقود… و يمكن مراجعة مقالة تاريخُ النقودِ الورقية و تكييفها الفقهي…! لمزيد فائدة.

و الحد المخُتار للنقد أنه “كل شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح، بحيث يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل” كما في قرار هيئة كبار العلماء بالسعودية رقم (10) وتاريخ 17 / 8 / 1393هـ ، و هذا التعريف مأخوذ من كلام شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله كما في في مجموع الفتاوى، 19/251:

” وَأَمَّا الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ فَمَا يُعْرَفُ لَهُ حَدٌّ طَبْعِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ بَلْ مَرْجِعُهُ إلَى الْعَادَةِ وَالِاصْطِلَاحِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ لَا يَتَعَلَّقُ الْمَقْصُودُ بِهِ؛ بَلْ الْغَرَضُ أَنْ يَكُونَ مِعْيَارًا لِمَا يَتَعَامَلُونَ بِهِ وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَا تُقْصَدُ لِنَفْسِهَا بَلْ هِيَ وَسِيلَةٌ إلَى التَّعَامُلِ بِهَا وَلِهَذَا كَانَتْ أَثْمَانًا؛ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الِانْتِفَاعُ بِهَا نَفْسِهَا؛ فَلِهَذَا كَانَتْ مُقَدَّرَةً بِالْأُمُورِ الطَّبْعِيَّةِ أَوْ الشَّرْعِيَّةِ وَالْوَسِيلَةُ الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ لَا بِمَادَّتِهَا وَلَا بِصُورَتِهَا يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ كَيْفَمَا كَانَتْ.”

وبالنظر للبت كوين و خصائصها يترجح لي أنها جنس من النقود، للأسباب التالية:

  • اصطلح الناس على كونها نقوداً.
  • كونها غير ملموسة ليس له أثر في الحُكم عليها، فليس للخصائص الفيزيائية دخلاً في التعريف، و لله در شيخ الإسلام، فقد سبق زمانه بوصف الأثمان بأنها لا يُعرف لها حداً طبعياً!
  • بت كوين معيارٌ للقيمة يمكن قياسه، و صرفه أمام العُملات الأخرى.
  • بت كوين وسيلة للتعامل، و هذا المقصود من إيجادها.
  • مسألة القبول العام، أمر نسبي،لا أعلم له حداً في قياسه، و لكن يظهر من حجم التداول و القيمة السوقية، أن لها قبولاً عاماً، و هي تأخذ عمومها من عموم الإنترنت، و يرِد على ذلك منع بت كوين في بعض الدول، كما سيأتي.

أما العروض أو (السلع) فتعريفها المُختار أنها “غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه من النبات و الحيوان و العقار و سائر الأموال” كما قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله في المُغني، باب زكاة التجارة.

ويظهر لي أن بت كوين ليست سلعة من حيث الجنس، لما تقدم، أما الإتجار فيها كالسلع ، فهي مسألة أخرى كما سيأتي.

و في قسم الأسئلة الشائعة من موقع “بت كوين”:

“بت كوين ذو قيمة لأنه مفيد كشكل من أشكال الأموال. لدي بت كوين نفس خصائص الأموال (الصمود، القابلية للحمل، التبادلية، الندرة، القابلية للقسمة وسهولة التعامل به) بناء على خصائص الرياضيات بدلاً من الإعتماد على الخصائص المادية (كما في الذهب والفضة) أو الوثوق في السلطات المصدرة (كما في العملات الورقية). بإختصار، بت كوين مدعوم من قبل الرياضيات. بهذه المواصفات، كل ما هو مطلوب لشكل ما من أشكال الأموال لكي يصبح ذا قيمة هو الثقة به وتبنيه.”

و إن ترجّح أن بت كوين جنس من النقود، فهل يجري فيها أحكام النقود؟

نعم، فيجب فيها الزكاة، و يجري عليها أحكام ربا الفضل و النسيئة و ريا الديون، و يراعى في صرفها ما يراعى في صرف النقود من التقابض، و كذلك يسري عليها أحكام الديون، فتُقضى بأمثالها على القول المُختار، و غيرها من أحكام النقود… و هذا بغض النظر عن الحكم الشرعي في اقتناء بت كوين و المتاجرة فيها كما سيأتي.

و إن كان الذي الذي يتولى عقد الربا في النقود الورقية هي البنوك، فإن بت كوين لا حاجة لها بالبنوك، فلم تظهر عقود الربا في عملة بت كوين بعد، و لعل السبب في ذلك هو التقلبات الحادة في سعر صرف بت كوين، و الذي يجعل المضاربة و التكهن بسعرها هو المصدر الاول للعائد عليها، و لكن حالما يستقر سعر صرفها و ترسو قيمتها، ستظهر العقود الربوية كمثيلاتها من النقود.

و إن ترجّح أن بت كوين جنس من النقود، فهل يجوز لغير ولي الأمر إصدار النقود؟

يؤكد المُنظرون  للبت كوين على أنها عملة “لا مركزية” ، بمعنى أنه لا يتحكم في إصدارها و سياستها أي مؤسسة حكومية أو غير حكومية، و أن السياسة النقدية لها هو الكود الذي وضعه مُطورها، و الذي هو متاح يمكن الاطلاع عليه من قبلِ المُبرمجين، و لا يمكن لأحد تغييره، إلا بإجماع مجموع المتعاملين بها، و معنى ذلك أنها خارجة عن سلطة أولياء الأمور في البلدان المسلمة و غيرها…

ولي الأمر في الإسلام، و هو الحاكم العام على كل بلد، له في الشرع الإسلامي مكانته التي تُخول له تنظيم أمور الناس، و التمكين لهم لعبادة الله، و مراعاة مصالحهم الدينية و الدنيوية، و منها القضاء بينهم، و أقامة الحدود بينهم، و حفظ أمنهم، و حماية أسواقهم، و إجراء عقودهم و أنكحتهم …، و كل ما من شأنه مراعاة مصالحهم و تكثيرها، و دفع المفاسد عنهم و تقليلها، و قاعدة تصرفات الحاكم المسلم في الشرع أن تصرُّفَ الحاكمِ منوطٌ بالمصلحة” ، و من ذلك إصدار النقود ووضع سياستها بما يحقق المصلحة العامة.

و لأهل العلم أقوالٌ في مسألة قصر إصدار النقود على ولي الأمر، كما يلي:

قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع شرح المُهذب (11/6):

“قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُكْرَهُ أَيْضًا لِغَيْرِ الْإِمَامِ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وإن كَانَتْ خَالِصَةً لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ وَلِأَنَّهُ لا يؤمن فيه الغش وَالْإِفْسَادُ”

و قال أبو يعلى الفراء رحمه الله تعالى في الأحكام السُلطانية، ص 181:

“وقد قال أحمد، في رواية جعفر بن محمد ” لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان، لأن الناس إن رُخص لهم ركبوا العظائم“. فقد منع من الضرب بغير إذن سلطان لما فيه من الافتيات عليه.”

و قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب “الطرق الحكمية في السياسة الشرعية”، طبعة المُجمع ص628:

“وإذا حرم السلطان سكة أو نقدًا منع من اختلاطه بما أذن في المعاملة به.”

و على ذلك فإن العلة من قصر إصدار النقود على ولي الأمر هي منع الغش و الإفساد، و كذلك منع الإفتيات على سُلطة ولي الأمر في تنظيم السياسة النقدية للدولة.

و معني “الافْتيات” كما عند الجوهري في صحاح اللغة، مادة (فوت) : “افتعالٌ من الفَوْتِ، وهو السبْق إلى الشيء دون ائتمار من يُؤتمر. تقول: افْتات عليه بأمر كذا، أي فاتَهُ به.” و تدور معاني الكلمة في اللغة على السبق بالأمر دون إذن صاحب الأمر، و الاستبداد بالحكم و الإنفراد به دون استشارة.

 و إذا نظرنا في ما يخص بت كوين، و على الرغم من التأكيدات التي يجزم بها منظري بت كوين بأن بروتكول التعامل بها غير قابل للخطأ أو الغش و الاحتيال، فإن هذا غير مُسلَمٍ لهم، يكفي أن أحد رواد الفكرة و هو “Wei Dai” قال في 2011، و انظر كلام “Wei Dai” على الرابط التالي. :

“… in my experience these kinds of protocols often have flaws that are not found until that has happened.”

يقول: “من واقع خبرتي أن هذا النوع من البروتوكولات عادة ما يكون فيه أخطاء و التي لا تُكتشف حتى تحدث!!”

و قد صدق ظنه، ففي عام 2013 حدث خطأ فني في التحويل بين إصدار 7 و إصدار 8 الخاصين ببرتكول تنقيب بت كوين، هذا بالإضافة لأرتفاع نسبة القرصنة الإلكترونية بشكل ملحوظ بعد 2013، و سرقة كثير من العُملات من بورصات مداولة بت كوين، و القائمة طويلة تحت هذا العنوان Theft and exchange shutdowns من هذا الرابط.

و أما كون بت كوين من الافتيات على سلطة ولاة الأمور فظاهر، بل هو مُرادٌ مقصودٌ بالأصالة من إيجاد بت كوين، كما مر معنا تحت سؤال “ما الحاجة و الدواعي لظهور بت كوين؟” ، فهي ثورة على السُلطات النقدية المتمثلة في الحكومات و البنوك المركزية.

فإن قيل و لكن بت كوين خرجت من رحم كفارٍ لا تعنيهم الشريعة الإسلامية في شيء، فما وجه إقحام هذه المسألة في البحث!

فيجاب عن ذلك أن الأصوليون قد بحثوا مسألة ” هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة الإسلامية؟” و حاصل هذه المسألة أنهم مخاطبون بها و لكن لا تصح منهم إلا بعد الإسلام، و إن ماتوا على الكفر فإنهم يعذبون في الأخرة على ترك فروع الشريعة، مثل ترك الصلاة و الزكاة و الصيام و سائر الأوامر و النواهي الشرعية.

ثم يُضاف إلى مسألة الإفتيات على سُلطة ولاة الأمور، مخالفة ولاة الأمور في حال تصريح بعضهم بمنعها و تجريم التعامل بها، و الأصل في طاعة ولاة أمور المسلمين في المعروف قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } النساء 59 ، وما رواه البخاري (6725) و مسلم (1839) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”.

فالأصل الواجب استصحابه للمسلم الذي تحت أمرة مسلمين في بلاد المسلمين السمع و الطاعة ما لم يؤمر بمعصية، و المسلم الذي يعيش في بلاد الكفار يجب علية التقيد بالقوانين ما لم تكن معصية أو حراماً، من باب الوفاء بالعهود، و من يف بعهده إذا لم يف المسلم بعهده!

هل بت كوين مضمونة (مغطاة) على مُصدرها؟ و ما هو ضمانها؟

لإجابة هذ السؤال، فلننظر في ضمان (غطاء) النقود الورقية، و خلاصته أن النقود الورقية مغطاة بموارد الدولة المُصدرة للعملة الورقية، متمثلاً في ملائة الدولة الاتمانية و إمكانياتها و قدرتها على سداد ديونها، و لم يعد الذهب غطاءً للعملات الورقية كما كان في السابق، و أن [مقومات الورقة النقدية قوة وضعفًا مستمدة مما تكون عليه حكومتها من حال اقتصادية فتقوى بقوة دولتها وتضعف بضعفها]، فالدولة الضعيفة الموارد تزداد عملتها ضعفاً أمام العُملات الأخرى، أضف إلى ذلك مدى كفأة السياسة النقدية للدولة المُصدرة للعملة، متمثلة في كمية المعروض من النقود، و معدلات الفائدة، و التضخم و الحاجة للعملات الأجنبية الناتج عن التصدير و الإستيراد، و نوع العملات التي تدخل خزينة الدولة… فالعُملة تمثل الهوية الاقتصادية للدولة.

أما بت كوين فغطائها هو ” الثقة فيها و تبنيها”، كما مر معنا، بمعنى أن غطاء هذه العملة الذي هو ضمان قيمتها هو قانون العرض و الطلب، الماثل في الرغبة في اقتنائها، و السعي في تنقيبها، و زيادة عدد المتعاملين بها.

و يرى المُنظرون للبت كوين أن عدد المستخدمين القليل لها هو السبب في التقلبات السعرية الحادة للعملة الجديدة، و ما أن تنتشر و يتم نقب “اسنخراج” جميع وحدات العملة، فإنها سوف تستقر.

فكلما زاد عدد المتعاملين بها، القابلين لها، ازدادت قيمتها، و كلما خرجت الأخبار بتجريم التعامل بها في بلد من البلدان انخفضت قيمتها، فهي تتقلب مع العرض و الطلب.

و يلاحظ التقلبات السعرية الحادة للبت كوين، في فترات قصيرة، كما في إحصائيات موقع https://coinmarketcap.com :

chart

و كذلك التقلبات اليومية في الأيام الأخيرة:

bitcoin.jpg

و هذه التقلبات تفتح باب المضاربة على تقلب السعر على مصرعية، كما سيتم مناقشته في النقطة التالية…

ما هو حكمُ الاتجار في بت كوين؟

لإجابة هذا السؤال لابد من تفصيل أغراض اقتناء عُملة بت كوين، و الحكم على كل منها، فإنما الأعمال بالنيات، و إنما لكل امرئ ما نوي.

و أعني بخطابي بيان الأحكام الشرعية للمسلمين الحريصين على أكل الحلال و إجتناب الحرام، و إما الكفار و المنافقين فهم كالأنعام بل هم أضل، يعبدون المال، لا يعرفون فيه حقاً من باطلٍ، و من استطاع منهم تحصيل الثروة فإنها يأكلها من كل طريق ولا يُبالي … و سوف يحاسبهم الله على كل كبيرة و صغيرة، {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} الأحزاب 66.

روى البخاري في صحيحه (5397) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:

“إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ”.

و في شرح الحديث، نقل ابن التين (و هو من شُراح البخاري، توفي سنة 611 هـ بصفاقس) أن المعنى: “أن المؤمن يأكل الحلال، والكافر يأكل الحرام، والحلال أقل من الحرام في الوجود.”

و قال المُباركفوري في تحفة الأحوذي: والمعنى: “أن من شأن المؤمن التقلل من الأكل، لاشتغاله بأسباب العبادة، ولعلمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما يسد الجوع، ويمسك الرمق، ويعين على العبادة، ولخشيته أيضًا من حساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك كله، فإنه لا يقف مع مقصود الشرع، بل هو تابعٌ لشهوة النفس مسترسل منها، غير خائف من تبعات الحرام، فصار أكل المؤمن لما ذكرته إذا نسب إلى أكل الكافر كأنه بقدر السُّـبْع منه، ولا يلزم من هذا طرده في كل مؤمن وكافر…”

و بغض النظر عن أثر بحث قصر إصدار النقود على ولي الأمر و ما إلى ذلك من الافتيات على السُلطة، و  أثر منع ولي الأمر من تداول بت كوين، يحسنُ هنا ترتيب الأغراض من إقتناء عُملة بت كوين من الغرض الأعلى فالأدنى وبحث حكم كل منها:

أولاً: اقتناء بت كوين من إجل إدخارها و رجاء ارتفاع سعرها و من ثمَّ الإتجار فيها:

و يظهر لي من الواقع أن هذا الغرض هو الغرض الأول الرئيس لإقتناء بت كوين، و لا تكاد الدعاية للبت كوين تخلو عن الدعوة “للاستثمار” فيها و شرائها، و اقتناص الفرصة، و نشر قصص الثراء الفاحش و السريع من جراء اقتناء بت كوين، و هذه عينة الدعايات لها:

ربح-10-دولار-يوميا-من-البيتكوين

20170919_154854.jpg

20170919_154102

20170919_154758.jpg

قد مر معنا كلام شيخ الإسلام في الكلام على تعريف النقود، و أن من خصائصها أنها [لَا تُقْصَدُ لِنَفْسِهَا بَلْ هِيَ وَسِيلَةٌ إلَى التَّعَامُلِ بِهَا وَلِهَذَا كَانَتْ أَثْمَانًا] ، و أما قصد النقد للإتجار في عينه و تعطيله عن التداول و متابعة سعره لحظة بلحظة رجاء الربح السريع، فهذا خلاف مقصود الشارع في الأموال التي جعلها معياراً للقيم ووسيلة للتعامل، و في ذلك نشر البطالة و أحلام الثراء السريع دون جهد و لا تعب… و هذا واقع الاتجار في بت كوين.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب “الطرق الحكمية في السياسة الشرعية”، طبعة المُجمع ص628:

“ويمنعُ [أي ولي الأمر] من إفساد نقد النَّاس وتغييرها، ويمنع من جعل النقود متجرًا، فإنَّه بذلك يدخل على النَّاس من الفساد ما لا يعلمه إلَّا الله، بل الواجب أن تكون النقود رءوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها، وإذا حرم السلطان سكة أو نقدًا مُنع من اختلاطه بما أذن في المعاملة به.”

و قال أيضاً رحمه الله تعالى في كتاب “إعلام الموقعين” (2/137).

“والثمن [أي: النقود] هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال, فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع.

وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوّم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوّم هو بغيره ، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تُعدُّ للربح فعمَّ الضرر وحصل الظلم، ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص بل تقوّم به الأشياء ولا تقوّم هي بغيرها لصلح أمر الناس … فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود … “

و قال أبو حامد الغزالي(ت505هـ) في إحياء علوم الدين(4/91) في كلام نفيس يطول، أختصر منه:

“مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى خَلْقُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَبِهِمَا قِوَامُ الدُّنْيَا وَهُمَا حَجَرَانِ لَا مَنْفَعَةَ فِي أَعْيَانِهِمَا… فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما … فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الْأَيْدِي وَيَكُونَا حَاكِمَيْنِ بَيْنَ الْأَمْوَالِ بِالْعَدْلِ وَلِحِكْمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ التَّوَسُّلُ بِهِمَا إِلَى سَائِرِ الْأَشْيَاءِ لأنهما عزيزان في أنفسهما ولا غرض في أعيانهما … فكذلك النقد لا غرض فيه وهو وسيلة إلى كل غرض… وفيهما أيضاً حِكَمٌ يطولُ ذكرها فكل من عمل فيهما عملاً لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود بالحكم فقد كفر نعمة الله تعالى فِيهِمَا، فَإِذَنْ مَنْ كَنَزَهُمَا فَقَدْ ظَلَمَهُمَا وَأَبْطَلَ الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم ولا يحصل الغرض المقصود به وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة ولا لعمرو خاصة إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما فإنهما حجران وإنما خلقا لتتداولها الأيدي فيكونا حاكمين بين الناس وعلامة معرفة المقادير… وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما إذ لا غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصوداً على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم… فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلا اتخاذ النقد مقصوداً للادخار وهو ظلم…

و قال ابن عابدين(ت1252هـ) في مجموعة رسائله (صـ57)

” رأينا الدراهم والدنانير ثمناً للأشياء، ولا تكون الأشياء ثمناً لها.. فليست النقود مقصودة لذاتها, بل وسيلة إلى المقصود”

فيظهر من هذه النقول و غيرها -مما أعرضت عن نقله خشية الإطالة-  أن المتاجرة في عين المال محرمة، لخروجها عن المقصود من المال من كونه وسيطاً للتعامل ليصبح سلعة يُتاجر في عينها، وما في ذلك من الظلم و الضرر بالأسواق و الفساد و سجن المال و قتل روحه، و هذا ظاهر في في أسواق رأس المال التي أصبحت كازينوهات كبيرة لتجارة المال إما عن طريق ربا الديون، أو عن طريق صرف العُملات المؤجل المُفضي لربا البيوع (مثل عقود الخيارات و المبادلات – options and swaps) أو عن طريق الصرف لأجل الربح فقط و المتاجرة في العُملة و المضاربة عليها.

قال أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ) ، في كتاب: “الْمُقدمَات الممهداَت لبَيَان مَا اقتضتهُ رسوم الْمُدَوَّنَة من الْأَحْكَام الشرعيَّات وَالتحصيلات المحكماَت لأمهات مسَائِلها المشكلاَت”،  طبعة دار الغرب الإسلامي، ج2 ص 14:

وباب الصرف من أضيق أبواب الربا، فالتخلص من الربا على من كان عمله الصرف عسير، إلا لمن كان من أهل الورع والمعرفة بما يحل فيه ويحرم منه، وقليل ما هم؛ ولذلك كان الحسن يقول: إن استسقيت ماء فسقيت من بيت صراف فلا تشربه، وكان أصبغ يكره أن يستظل بظل الصيرفي، قال ابن حبيب: لأن الغالب عليهم الربا، وقيل لمالك – رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أتكره أن يعمل الرجل بالصرف؟ قال: نعم، إلا أن يكون يتقي الله في ذلك.”

و دلت أحاديث الصرف المروية في السنن على أن التجار كان يتصارفون للحاجة، و أباح الشارع الصرف بين أجناس النقود و العُملات تيسيراً للناس في تسهيل تجارتهم، بشرط التقابض يداً بيد، و بسعر يومها.

و من المعاصرين من فرق بين مطلق عقد الصرف و بين المتاجرة بالعُملات و المضاربة في عينها، كما في بحث “المتاجرة بالعُملات” لكل من الدكاترة عبد الستار أبو غدة و علي محي الدين القرة داغي، و الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي (توفي 1436 هجرباً) رحمه الله تعالى، الذي يقول في كتابه “المعاملات المالية المعاصرة” المبحث الثاني، المتاجرة في العُملات، قال في صفحة 162 و ما بعدها:

“تعريف المتاجرة في العملات : المتاجرة في العملات هي شراء العملات لبيعها بقصد الربح.

وهي أخص من البيع: فهو مبادلة المال بالمال بالتراضي أو بقصد التمليك والتملك . وقد تكون هذه بقصد الربح ، أو بقصد آخر كتغطية الحاجات، والمبادلة من غير ربح ولاخسارة كما في بيع التولية، أو بخسارة كما في بيع الوضيعة .

فلا يدخل في المتاجرة في العملات عقد صرف العملات، لأنه قد لا يقصد به الربح، ولا الحوالة ، لأنها مجرد نقل للعملة من ذمة إلى ذمة أخرى، ولا حسم الكمبيالة، لأنه بيع الدين بأقل منه، وهو حرام لكونه من الربا .

الفرق بين المتاجرة في العملات والصرف والمضاربة: أما الفرق بين الأول والثاني: فهو أن الصرف أعم من المتاجرة بالعملات، لأنه يشمل بيع العملات للاسترباح أو مِن دونه، أما المتاجرة في العملات أو المضاربة فيها خاصة فتكون بقصد الاسترباح . فالفرق بينهما محصور في غرض المتعاملين، مع أن كليهما مبادلة في النقود (أو الأثمان وما في حكمهما) . وكذا في التصرف، فإن المُتاجر في العملة لا يبيع إلا إذا ارتفع السعر ، وأما الصراف فإنه يبيع ويشتري العملات سواء كان السعر مرتفعا أو منخفضا.

وأما الفرق بين المتاجرة والمضاربة: فهو أن المضارب يشتري العملة لمجرد أنه يتوقع إرتفاع السعر، وحينئذ يبيع ما عنده لتحقيق المكسب، وكذلك يبيع العملة لتوقعه هبوط السعر ليتفادى الخسارة. أما المتاجر في العملة فيشتري العملة وينتظر إرتفاع سعرها لبيعها، فالفرق دقيق وبسيط.

حكم المتاجرة في العملات وشروط التعامل فيها: المتاجرة في العملات بمجردها جائزة إلا إذا طرأ عليها – كأي عقد – ما يقتضي تحريمها أو فساد المعاملة كالجهالة أو الغرر أو الغبن مع التغرير (التدليس) أو الإحتكار أو مخالفة شروطها . وأدلة الإباحة أو الجواز ما ورد في السنة من أحاديث … “

ثم ساق رحمه الله أدلة السُنة الخاصة بجواز الصرف بين العُملات، و جعلها دليلاً لجواز المُتاجرة بالعُملات، بشرط الخلو من الجهالة و الغرر و الغبن كما تقدم، و لم يتعرض رحمه الله لحُكم المضاربة في العُملات بناءً على التقسيم السابق.

ويجدر التنبيه أن ليس المقصود بمصطلح المضاربة هنا المضاربة الفقهية، فهي جائزة بشروطها، إنما المقصود هنا هو المضاربة في عُرف الرأسمالية و هي “المخاطرة بالبيع والشراء بناء على توقع تقلبات الأسعار بغية الحصول على فارق الأسعار” و الأحرى تسميتها قماراً ، و هي نوع من الميسر، لأن المُقامر إما غانم أو إما غارم، فهو متردد بينهما بعامل احتمالي، كالذي يُلقي حجر النرد و يراهن على رقم بعينه، فإن ظهر كان غانماً، و إن لم يظهر كان من الخاسرين.، و بالنظر للتقلبات السعرية للبت كوين كما تقدم، تزدهر سوق المضاربات… و هي مستنقع الجهالة و الغرر و الغُبن، فكم من مضيع ماله قارعاً سن الندم، و كم من عاطل يحلم بأكل المال بالباطل، و الشريعة فيها من الرحمة بهم: أمرهم باجتناب الميسر أخذاً بحُجزهم عن تلك الحسرات، و صرفاً لأوقاتهم في صلاح قلوبهم، و حفظاً لأموالهم التي هي قوام معاشهم.

و من المعاصرين الذين بحثوا مسألة المتاجرة بالعُملات من أجل الربح، الدكتور/ محمد بن عبد الله الشباني ، رحمه الله تعالى، المتوفى سنة 1428، في كتابه: الربا والأدوات النقدية المُعاصرة،  صفحة 41 و ما بعدها، بعد أن نقل كلام ابن القيم المنقول أعلاه، قال:

” … من خلال هذه المناقشة التي أوردها ابن القيم رحمه الله يتضح لنا دور النقود على أنها أداة لتحديد قيم الأشياء، وبالتالي فلا يجوز أن تستخدم لتكون سلعاً يتجر بها. وبهذا فإن ما يتم من مضاربات في سوق العملات يجعل النقود سلعاً تعد للربح، حيث ينتج عن ذلك أضراراً كبيرة كما هو مشاهد في الواقع المعاصر في ما يتعلق بتذبذب أسعار العملات واتجاه كثير من فوائض الأموال إلى الاتجار فيها بدلاً من الاستثمار فى المشروعات الإنتاجية.

  ثم قال رحمه الله في صفحة 46 و ما بعدها:

“إن الحرمة لهذا التعامل كما أراها لا تقوم على أساس تغير وسيلة التقابض في مجلس العقد، حيث تبدل أسلوب التقابض وطبيعة مجلس العقد، حيث أصبح مجلس العقد يتم من خلال وسائل الاتصال الحديثة التي سهلت ووسعت نطاق مجلس العقد من خلال التخاطب بالتلفون، والفاكس، والحاسب الألي، أي أصبحت الأسواق متقاربة وكأنها في مكان واحد، وحلول القيد على الحسابات المختلفة بديلاً عن التقابض المادي والحصول على التفويض والالتزام بذلك باستخدام هذه الوسائل الحديثة.

إن الحرمة تأخذ جانباً آخر وهو تغير طبيعة وظيفة النقود، فالنقود ليست سلعة يتجر فيها مثل بقية السلع وخاصة النقود الورقية التي لا يمكن تحويلها إلى سلعة اقتصادية مثل الذهب أو الفضة والذي يمكن شراءهما كسلع لاستخدامهما كمواد أولية لصناعات مختلفة، وبالتالي الخروج بالنقود عن طبيعتها التي خلقت لها والتي من أجلها تم قبولها على اعتبار أنها أداة للدفع، ووسيلة للتبادل، وقد سبق أن أوضحنا وجهة نظر الإمام ابن القيم واسستشهادنا بقوله: إن التحليل والمنطقية التي وصل إليها ابن القيم رحمه الله فيما يتعلق بالنقود والتي حددت مشكلة النظرية النقدية المعاصرة في أن الاتجار في العملات هو العلة في اضطراب أسواق النقد العالمية، حيث إن الاتجار بالعملات قد أفسد عملية التبادل التجاري وألحق الضرر بالتبادل من خلال اضطراب أسعار السلع العالمية، فأصبحت العملات تخضع لتقلبات قانون العرض والطلب مما أثر على أسعار السلع، فالتاجر الذي يرغب في شراء أية عمله بقصد الاستيراد السلعة معينة من أي بلد سيتأثر بالتذبذب في أسعار العملات التي يود الاستيراد بوساطتها من خلال عمليات المضاربة في العملات، حيث إن العرض والطلب على العملات غير حقيقي، حيث يتم المضاربة فيها والاتجار فيها بيعاً وشراء لا بقصد شرائها لذاتها لتحقيق الوظيفة الأساسية للنقود، وهذا يؤدي إلى مفسدة وإضرار بالناس كما قال: ابن القيم حيث قال (وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها؛ لان ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها؛ لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات، وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر [الذهب] ليس فيه صنعة يقصد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينهما ولهذا قال :(تبرها وعينها سواء) فظهرت حكمة تحريم ربا النساء في الجنس والجنسين وربا الفضل في الجنس الواحد).

وفي موضع آخر أورد رحمه الله مناقشة لطيفة خاصة باستعمال المادة المضروبة منها العملة المعدنية لأغراض أخرى غير غرض النقد، تدل على مدى عمق فهمه لمفهوم النقد ودوره في الحياة الاقتصادية مع معالجته لازدواجية استخدام معدن الذهب لأغراض صناعية وكأداة للنقد، يقول رحمه الله (إن الحلية المباحة صارت بالصنعة المتاحة من جنس الثياب والسلع لا من جنس الأثمان: ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجرى الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجرى بين الأثمان وبين سائر السلع، وإن كانت من غير جنسها فإن هذه الصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأعدت للتجارة فلا محذور في بيعها بجنسها ولا بدخلها إما أن تقضى وإما أن تربى إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل) ومن النص ندرك أنه يجوز شراء الحلي المصنوعة من مادة العملة المعدنية ولو تفاضلت من حيث اختلاف الوزن ما بين وزن الحلي ووزن العملة المعدنية إذا تم التقابض يداً بيد في مجلس العقد، مثل بيع الذهب بالفضة.

على ضوء ما سبق فإن الاتجار في العملات بيعاً وشراء بقصد الربح وليس بقصد استخدامها من أجل تمويل الاستيراد والتجارة في السلع مكروه وقد يصل إلى الحرمة للأمور التالية:-

1- التوسع في البيع و الشراء في أسواق العُملات العالمية أدى إلى هروب أموال المسلمين إلى الدول الكافرة، وهذا الاتجار لا يهدف إلى الحصول على سللع وخدمات يحتاجها المسلمون ولكن بقصد المضاربة لتحقيق الربح مما آدی إلى ضياع الفرصة من الاستفادة من هذه المدخرات التي يتم استخدامها في الاتجار في العملات الأجنبية: والقاعدة الشرعية تقول: عند اجتماع المصلحة مع المفسدة فإذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة درانا المفسدة ولو تأتى فوات المصلحة، والمصلحة الفائتة هي ما یمکن أن يحققه المتاجر فى العملات فى سوق العملات الأجنبية مسرن أرباح، لكن المفسدة من تسرب أموال المسلمين من بلاد المسلمين وعدم استغلالها فيما فيه منفعة ومصلحة للاقتصاد يحقق مفسدة أكبر من المصلحة التي قد يحققها المتاجر في العملات يقول تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} فحرمتهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما…”

قلتُ (هاني): و الذي تطمئن له النفسُ في ضوء ما تقدم، هو المنعُ من المتاجرة و المضارية في العُملات المُشفرة، لأنه غرض فاسد لا يوافق مقصد الشارع من النقود، و لما فيه من القمار المحرم، و إضاعة المال، و الضرر بالأسواق، و نشر البطالة و أحلام الثراء السريع، و بالنظر لمسالة قصر إصدار العملة على ولي الأمر، و الافتيات على السُلطة، و مخالفة ولى الأمر حال منعها، فإن اجتمع كل ذلك، يترجح عندي القول بتحريم اقتناء بت كوين و التعامل فيها بغرض المتاجرة و المضاربة الرأسمالية.

ثانياً: اقتناء بت كوين بغرض كونها وسيلة للدفع، لا بغرض القمار على سعر صرفها :

من المُتقرر في الشريعة الإسلامية أن الوسائل لها أحكام المقاصد، و أنه لا يُتوصل لمقصد مباح إلا بوسيلة مباحة، و أن الوسائل المباحة تكون محرمة في حق الشخص بعينه إن كان مقصده محرماً، فبيع العنب حرامُ لمن نعلم أنه سيعصرها خمراً، مع أن البيع في حد ذاته حلال.

و على ذلك فاقتناء بت كوين من أجل الأغراض المحرمة شرعاً، مثل دفع مهر البغايا، و شراء المخدرات، لا شك في حرمته، أما البحث فهو في من يقتنيها ليشتري بها سلعة مباحة، أو ليسدد بها من يقبلها في عقد لا محظور فيه.

و الذي أراه أن اقتناء بت كوين في حد ذاته، فيه مخاطرة و جهالة و غرر كبير، أقله في الوقت الحالي – و ذلك بغض النظر عن المحاذير الأخرى – لأن الثمن [يجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض]، اللهم إلا على فترات متباعدة نسبياً نتيجة للتضخم و غلاء الأسعار، و من عجيب ما قرأت في الأخبار أن أحد الشركات العقارية في دبي قامت بعرض شققها بعملة بت كوين، و قال الخبر: “… لكن عندما يقرر المشتري المضي قدمًا في الشراء عبر الإنترنت، سيتم تثبيت سعر البيتكوين لمدة 15دقيقة.”  فأي عبث هذا! و لم هذه المخاطرة! و أنا على ثقة أن القارئ اللبيب يعلم السبب.

بيد أن حُكمي بحرمة اقتناء بت كوين لما تقدم، هو من باب “تحريم الوسائل” و “سدِّ الذرائع” ، و إذا تقرر أن “كل ما حُرمَ تحريمَ الوسائل فإنه يُباح للمصلحة الراجحة و يحرم إذا خيف منه الفساد” ، فإن اقتضت بعض الحالات ترجيح مصلحة التعامل بعملة بت كوين، فإنها تُباح بقدرها، مثل إغاثة مسلم بالمال لا يُمكن إيصال المال له إلا بعملة بت كوين، أو استيفاء حق قد يضيع إلا إذا حصلة صاحبة بعملة بت كوين، و الله أعلم.

و خلاصة قاعدة سد الذرائع:

أنَّ الوسائل التي تُفْضِي إلى المفسدة حتمًا على وجه القطع لا خلافَ بين أهل العلم في اعتبارِ سدِّ الذرائع فيها، كما أنَّ الوسائل التي تُفْضي إلى مفسدةٍ نادرةٍ لا خلافَ في إلغاءِ مبدإ سدِّ الذرائع، لكنَّ الخلاف فيما يؤدِّي إلى مفسدةٍ غالبًا أي: كثيرًا أو مع التساوي فيه [و هي ما تُسمى بالذريعة الوُسطى:  و ضابطها أن يكون الأمر حلالاً في ظاهر الأمر إلا أن الناس يقصدون بظاهره الحلال التوسل إلى باطن حرام]

والتمسُّك بمبدإ سدِّ الذرائع فيها [أي في الذريعة الغالبة و الوسطى] الذي هو مذهبُ مالكٍ وأحمدَ وأكثرِ أصحابهما أَوْلى بالمراعاة والعمل، والأخذُ به لا يخرج عن مُراعاة المصلحة الملائِمةِ في الجملة لمَقاصِدِ الشريعة، غير أنه لا يصحُّ التوسُّعُ فيه مِن غيرِ تحقيق المَناط في حدوث المفسدة الغالبةِ أو المساويةِ لئلَّا يُفْضِيَ إلى المنع ممَّا هو حلالٌ أو إلى حملِ الناس على التهمة.

وعليه، فإنَّ ما كان يحقِّق مفسدةً غالبةً أو مساوِيةً فينبغي اجتنابُ التعامل به سدًّا لذريعة المحرَّم، واحتياطًا للدين والعِرْض، لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم«فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتِبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحرَامِ»

ما حُكم الأجرة على النقيب؟ و ما تكييفها الفقهي؟

مر بك أيها القارئ الكريم الكلام على التنقيب، و هو عملية تنافسية ذات شقين:

  • تدقيق المعاملات على شبكة بت كوين، في مقابل نسبة زهيدة من قيمة المعاملة أو مبلغ مقطوع.
  • نظام لاكتساب عُملات بت كوين الجديدة.

و وجه التنافس هو سماح بروتكول بت كوين للمُنقب باستلام سلسلسة بلوكات لمعالجتها، و لا يسمح له البروتكول بذلك إلا بعد إن يثبت -بشكل حسابي- أن معالجات جهاز الكمبيوتر لدى المُنقب لها قدرة معالجة معينة، و هذا وجه التنافس كما فهمته، لذلك تزداد هذه العملية صعوبة مع زيادة المُنقبين و تطور أجهزة التنقيب.

و يرى المُنظرون للبت كوين أن التنقيب هو روح هذه العُملة، فهو الذي يضمن استمرارها، و الرغبة فيها، و تدعيم “الثقة” فيها كعملة ذات قيمة.

و التنقيب “فرع” عن الأصل، و هو اقتناء العُملة، فيتبع التنقيب ما يتبع اقتناء العملة من أحكام، فمن أراد اقتناء العملة للمضاربة في عينها- و هو ما ذهبتُ إلى تحريمه كما تقدم- فالتنقيب في حقه حرام... لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.

و بغض النظر عن المقصد من إقتناء بت كوين، دعونا نُسلط النظر الفقهي على هذه العملية بشكل مستقل لنرى مكانها من الشريعة:

و التنقيب نوعان: مباشر و سحابي، أما السحابي: فهو أن تستأجر من يُنقب لك، و المباشر فتقوم به بأجهزتك، و الكلام هنا عن التنقيب المباشر:

و أطراف هذه العملية، هم:

النظام البرمجي: المتمثل في شبكة بت كوين: و هي متاحة للجميع صدر منها إيجاياً عاماً اعتبارياً بالسماح لكل من ملك الأجهزة اللازمة أن ينقب عن العُملة.

المُنقب: و هو الباحث عن مكان على سلسلة البلوكات، مقابل عملات جديدة، أو مقابل تدقيق التحويلات، أو كلاهما.

هذا هو تصوري للعملية التنقيب، و هو أساس الحُكم عليها، فإن الحُكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، و هو تصور ذهني لم أجربه في الواقع،

قرأت على موقع شبكة الإسلام -المحجوب في الإمارات- فتاوي بخصوص التنقيب، هذا رابط لها، و هي الفتاوي الوحيدة التي وجدتها بهذا الخصوص، و خلاصة ما قيل في هذه الفتاوي أن التنقيب إجارة صحيحة، و أما عن حُكم بت كوين، فطبعوا عليها بخاتم الجواز استناداً لجواز صرف العُملات!! – وقد فندتُ هذا القول كما تقدم-  و قد خلطوا في تصورهم بين العُملات المُشفرة و النقود الإلكترونية! فالأولى هي نظام مبتكر للنقود، مثل بت كوين، و الثانية هي صورة أخرى من النقود النظامية في شكل وحدات إلكترونية، و هذا ما ظهر لي و الله أعلم، و بحوث النقود الإلكترونية يرجع تاريخها إلى ما قبل بت كوين و التنقيب!

أما في ما يخص التكييف الفقهي للتنقيب، فقولهم أنه إجارة فيه نظر، بل هو أقرب ما يكون للجعالة، والجعالة هي نوع من أنواع الإجارة ، ولكن ثمّة فروق بينهما:

الأول: الجعالة عقد جائز، ولا يكون لازمًا إلا بتمام العمل على الصحيح، بخلاف الإجارة فهي عقد لازم ليس لأحد المتعاقدين الفسخ إلا بالتراضي.
الثاني: يشترط في الإجارة تعيين العامل، فلا تصح مع جهالة الأجير، بخلاف الجعالة فتصح مع إبهام العامل، كان يقول: من رد مالي فله كذا.
الثالث: الجعالة لا يشترط لصحتها العلم بالعمل المجاعل عليه، بخلاف الإجارة فإنها يشترط أن يكون العمل فيها معلوما.
الرابع: يشترط في الإجارة أن تكون مدة العمل معلومة، بخلاف الجعالة، فمنه لا يشترط فيها معرفة مدة العمل.
الخامس: لا يستحق العامل في الجعالة إلا بتمام العمل، خلافا للإجارة فيستحق الأجر على قدر العمل إلا إذا شارطه على الإتمام.
السادس: منع بعض الفقهاء في عقد الإجارة الجمع بين تقدير المدة والعمل، كأن يقول: من خاط هذا الثوب في يوم فله كذا، وأجاز الحنابلة في عقد الجعالة الجمع بين تقدير المدة والعمل.
السابع: أجاز الفقهاء تقديم الأجرة في عقد الإجارة، ومنع المالكية تقديم دفع الأجرة في عقد الجعالة.
الثامن: ذكر الشافعية بأنه لا يشترط في عقد الجعالة قبول العامل، وإن كان العامل معينًا، فمن سمع النداء من الجاعل أو علم به، فله أن يباشر العمل دون أن يتلفظ بالقبول، وأما في عقد الإجارة فلا تنعقد عندهم إلا بالقبول المطابق للإيجاب كالبيع.
و انظر موسوعة المعاملات المالية- الدبيان 10/33 – الفروق للقرافي (4/ 12، 13)، مغني المحتاج (2/ 430)، جواهر العقود للسيوطي (1/ 328)، حاشية الجمل (4/ 314)، كشاف القناع (4/ 203)، الإنصاف (6/ 390).

و الجعالة جائزة عند الجمهور، و خالف متقدموا الحنفية و ابن حزم رحمه الله، على تفصيل لا يسع له المقام…

والجعالة فيها احتمال الغرر والجهالة في العمل، بخلاف الإجارة فلا بد أن يكون العمل فيها معلوماً. ولا يلزم في الجعالة حضور المُتعاقدين، بخلاف الإجارة فلابدّ من معرفة أحدهما للآخر.

وقوله تعالى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف 17، فيه دليل على وجوب أن يكون الجعل معلوماً، فلا يصح أن يكون الجعل مجهولاً ؛ كمن يقول: من جاء بكذا وكذا، فله شيٌ، لا يُسميه ، و شرط معلومية الجعل متفق عليه عند من قال بمشروعية الجعالة، كالمالكية، والشافعية، والحنابلة.

و بالنظر لعملية التنقيب التنافسي عن بت كوين، هل الجُعل (الأجر على التنقيب) معلوم؟

قد يُتصور معلومية الأجر في الشق الخاص بعمولة التحويل، أما الشق الخاص باكتساب العُملات الجديدة، و طريقة اكتسابه، فلا أعلم كيف هو! و هل هو محدد معلوم أم مجهول احتمالي!

فإن كان جُعل (أجر) التنقيب معلوماً، فهي جعالة صحيحة، و إن كان مجهولاً هو أو جزء منه، فهي جعالة فاسدة، و كل فاسد من العقود فهو محرمٌ الدخول في ابتداءً، و ألتمس ممن يعلم تفصيل حال أجر التنقيب أن يخبرني.

و إلى هنا أرفع أصابعي عن لوحة المفاتيح، سائلاً الله عز و جل السداد، ثم ملتمساً من أهل العلم الأفاضل تقويم نظري، و ارشادي لموطن الزلل، و ملتمساً من أهل التقنية الأمناء تصحيح تصوري إن كان في التصور خلل، و الله المسئول المرجو بقبول القول و العمل.

و صل اللهم و سلم على محمد و على آله و صحبه و سلم تسليماً كثيراً.

هاني حلمي


موضوعات ذات صلة:

تعليق على فتوى مفتي مصر بحُرمة التعامل بعُملة “البت كوين”…!

فكرة واحدة على ”“بت كوين” و أخواتها… نظرة في الحُكم الشرعي للعُملات المُشفرة!

  1. تعقيب: تعليق على فتوى مفتي مصر بحُرمة التعامل بعُملة “البت كوين”…! | هاني حلمي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s