من المحاجة إلى المصارمة…!

المحاجة و شدة الحرّص على تغيير رأي المخالف، قد تُخرج المحاجة إلى المماراة ثم إلى المخاصمة و من ثمّ إلى المصارمة.

قال السعدي رحمه الله في تفسيره :

” المحاجة هي: المجادلة بين اثنين فأكثر، تتعلق بالمسائل الخلافية، حتى يكون كل من الخصمين يريد نصرة قوله، وإبطال قول خصمه، فكل واحد منهما يجتهد في إقامة الحجة على ذلك، والمطلوب منها أن تكون بالتي هي أحسن بأقرب طريق يرد الضال إلى الحق ويقيم الحجة على المعاند ويوضح الحق ويبين الباطل، فإن خرجت عن هذه الأمور كانت مماراة ومخاصمة لا خير فيها وأحدثت من الشر ما أحدثت…”

قلتُ (هاني):

و الحق أن هذه البقعة بين المحاجة و المماراة قد تكون في بعض الأحيان مشتبهة ضبابية، يتنازعها أصلان:

أصل النصح للمسلمين و عدم غشهم بكتم العلم ، و أصل تحريم المماراة و الجدل المنهي عنه، و العالمُ من يعلم متى يُقدم و متى يُحجم.

و مما تسربلتُ في شراكه، شدة الحرص على هداية بعضهم في بعض المسائل الكبيرة، و قد أعماني الحرص عن تمييز الحد الفاصل بين المحاجة و المماراة و الذي يجب التوقف عنده، و عدم مجاوزته بحال.

و هذا درسٌ لي في أن الأغراض الشرعية لا يجب أن يُتجاوز في تحصيلها حد الوسائل الشرعية.

فإن الذي شرّع الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هو الذي شرّع طريقة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

فلا يسع المحتسب موافقة الشرع في الغرض و مخالفته في طريقة تحصيله.

و أمرُ الهداية و الغواية بيد الله عز و جل، لا يملك أنسانٌ قلب أنسان، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فيهدي من يشاء و يُضل من يشاء، و قد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم:

{إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} [النحل : 37]

{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص : 56]

و قال تعالى مسلياً رسوله عن ما سيلقاه هو و أمته من الإختلاف في الحق:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)} [هود : 118-119]

و ما هي إلا أنفاس معدودة، كلما ذهب نفسٌ نقص معه العمر، و اقترب لقاء الله، و عند الله يجتمع الخصوم، يومها تُبلى السرائر و لا يخفى على الله خافيه، فما يعده الناس اليوم أعذاراً لن يكون عذراً يومئذ، فيجازي الله كل نفس بما كسبت، و هو أعلم بهم.

هاني حلمي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s