المالُ المُكتسب من طريق مُحرمٍ و شيءٌ من أحكامه الفقهية…!

أكلُ المالِ الحرام أمره شديد، و عقوبته الخسران و الندامة في الدنيا و الأخرة، و قد تواترت نصوص الكتاب و السنة بالتحريم الأكيد و الوعيد الشديد على أكتساب المال من طرق مُحرمة، سواء بالمباشرة أو بالمآزرة، و شهرة هذه النصوص يُغني عن إيرادها، و لعل من أبرز أثار أكل الحرام في الدنيا هو فساد الأخلاق، و هو أمرٌ مُشاهدٌ لا يحتاجُ إلى تقرير… قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله في كتابه شأن الدعاء ، ص 233:

“…فَإن أكْلَ الحَلَالِ يَصلُحُ عَلَيْهِ القَلْبُ وَتَحْسُنُ مَعَهُ الأخْلَاقُ، وَأكْلُ الحَرَام يَفْسُدُ عَلَيْهِ القَلْبُ وَتَخْبُثُ مَعَهُ الأخْلَاقُ.”

و قد تعددت طرق اكتساب المال المحرم، سواء كان بالغصب أو السرقة أو الرِشا، أو بالدخل المُتحصل من عمل مُحرمٍ، كالعمل في البنوك الربوية و الخمًّارات، أو عن طريق أكل أموال الناس بالباطل و الدخول في العقود الفاسدة المُحرمة مثل عقد الربا، و أكل الفوائد البنكية،…،و يقع الناس في هذه المحاذير كل يوم، عن علم أو عن جهل، و يُصرُ منهم من يُصرُ منهم عناداُ و استكباراً أو جهلاً و تقليداً، و يتوبُ الله على من تاب منهم رحمة منه و فضلاً،…، و يُكثرُ حينها السؤال من التائبين عن كيفية التعامل مع هذه المُكتسبات المُحرمة، و كيفية التخلص من تبعاتها في الدنيا و الأخرة …

و لقد وجدتُ إجابات محررة عن تلك الأسئلة منثورة كالدُرر ضمن فتاوى الشيخ العلامة محمد على فركوس، الجزائري، حفظه الله تعالى، ضمن فتاويه المبوبة في المعاملات المالية و غيرها كما في موقعه على الشبكة العنكبوتيه، فنقلتُ منها ما يخص هذه المسألة، و وضعتُ لها عناويناً و تعليقات توضيحية من عندي،  من أجل ربط أطرافها، عسى الله أن يننفع بها من يقرأها و يعمل بما فيها.

[حُرمة اكتساب المال الحرام و تملكه و معاملة صاحبه فيه]

قال الشيخ حفظه الله:

” وقد اتَّفق العلماءُ على أنَّ المال المُكتسَب بطريقٍ محظورٍ ـ شرعًا ـ يَحْرُمُ على المسلم تملُّكُه، ولا تجوز مُعامَلتُه فيما عنده مِنْ مالٍ متحصَّلٍ عليه بهذا الطريق، ويَحْرُمُ إجابةُ دعوتِه إلى الطعام، وكذلك يَحْرُم قَبولُ هديَّته؛ لأنَّ العوض المدفوعَ ثمنًا لهذا الطعام ولهذه الهديَّة مالٌ خبيثٌ جاء عن طريقِ كسبٍ محرَّمٍ.”

و قال أيضاً:

” فإنَّ ما تُمْلِيهِ القواعدُ الشرعية العامَّة: أنَّ حيازة الأموال بلا سببٍ مشروعٍ معدودٌ مِن أكلِ أموال الناس بالباطل، فإنْ تحقَّقَ العلمُ بأنَّ الكسب حرامٌ وَجَبَ اجتنابُه، قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ما في الوجود مِن الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقودٍ لا تُباحُ بالقبض إِنْ عَرَفَهُ المسلمُ اجتنبه» «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٩/ ٣٢٣)، والمُعامِل يستوي مع آخِذِ المال الحرام؛ ذلك لأنَّ المكتسِبَ سبب الحرام وسيلة الكسب المحرَّم، والمعامل سبب الحرام التعامل في ملك الغير بغير إذنه، ذلك لأنَّ الله إذا حرم شيئا حرَّم ثمنه، والتعامل معه إقرار على الكسب الحرام وإعانة له وتشجيع على فعل المنهي عنه، الأمر الذي يجعل المتعامل شريكًا في الإثم والمؤاخذة، لأنَّ الإعانة على المعصية معصية، وهذا القول شامل للمرابي والغاصب والسارق وغيرهم، بعد حصول العلم ووقوعه بالكسب المحرم -كما تقدم- ويدل على ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ»، فالنهي الوارد في الحديث غير قاصر على الآخذ بل يشمل الأخذ ابتداءً والإبقاء انتهاءً، فهو حرام على حائزه فيمتنع الانتفاع به، وحرام على من عامله به لعموم العلة واتحادها، وهي حرمة المال المكتسب، وعليه فهو كسب خبيث يجب التصدق به، ولا يُرد إلى الدافع لأنه دفعه باختياره في مقابل عوض لا يمكِّن صاحب العوض استرجاعه، وهو اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى.

وقد أخرج البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ لأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ الْغُلاَمُ تَدْرِى مَا هَذَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَا هُوَ قَالَ كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ، إِلاَّ أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ. فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ فِي بَطْنِهِ»

قال ابن حجر: “والذي يظهر أنّ أبا بكر إنّما قاء لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن”[٤]، هذا، وأمّا ما اكتسبه عن طريق تعامله قبل حصوله العلم فإنه ينتفع به لقوله تعالى: ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]”

و قال أيضاً:

فالذي لا يتحرَّى الحلالَ في مَكاسِبِه، ولا يُبالي بأكل الحرام، ولا بطريقة جمعِه للمال على صفةِ ما أخبر به المصطفى صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لَيأتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمانٌ لاَ يُبَالِي المَرءُ بِمَا أَخَذَ المالَ أَمِنْ حَلالٍ، أمْ مِنْ حَرامٍ»، وفي الحديث: «مَنِ اكْتَسَبَ مَالاً مِنْ مَأْثَمٍ فَوَصَلَ بِهِ رَحِمَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ جُمِعَ ذلِكَ كُلُّهُ جَمِيعًا فَقُذِفَ بِهِ فِي جَهَنَّمَ»، فإن كان هذا حالَه فلا يُنصح بالعمل معه ولا مصاحبتِه إذا لم يتُبْ ممَّا جمع مِن غير الطيِّب من المال، ولم يعزِم على التخلُّص منه على وجه التقوى والإخلاص، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم: «لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلاَ يَأْكُلُ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ»، وفي الحديث: «أَرْبَعٌ إذَا كُنَّ فِيكَ فَلاَ عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ».

[جواز معاملة صاحب المال المُختلط إذا غلب الحلال على الحرام]

فمن اختلط ماله الحلال بالحرام، فإنَّه تجوز معاملته إذا كان غالبه من الحلال، ذلك لأنَّ ” الغالب له حكم الكلِّ”، و“معظم الشيء يقوم مقام كلِّه” على ما تجري به القواعد العامة، ويستدلُّ لذلك بقوله تعالى:﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] فسبب المنع كون الإثم أكبر من النفع وهو معنى: أنَّه إذا غلب الحرام الحلال فإنَّ الحكم للحرام، وعكسه إذا غلب الحلال الحرام فإنَّه يَحِل حكمًا، وهذا مذهب الحنفية ومالك وابن القاسم والحنابلة ورجحه ابن تيمية حيث قال: فإنَّ كثيرًا من الناس يتوهم أنَّ الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدراهم الحلال حرم الجميع، فهذا خطأ، وإنما تورع البعض فيما إذا كانت قليلة، وأما مع الكثرة فما أعلم فيه نزاعًا” مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٢٩/ ٣٢١

[في قبول هديَّة من اختلط مالُه بالحرام]

السؤال: لي أختٌ تعمل في شركة التأمين التجاري، وقد نصحتها مرارًا، لكن دون جدوى، فهل يجوز لي أن أقبل هداياها؟ عِلمًا أنّ لها مالاً تحصلت عليه عن طريق الإرث.

الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالأموالُ التي تَرِدُ من جهاتٍ قام الدليلُ على منعها كالبنوك الربوية المحرّمة أو شركات التأمين التي مبناها على الجهالة والغرر المنهي عنه فهي أموالٌ لا يجوز أخذها كهدايا أو قَبول إنفاق، إلاّ لذوي الحاجات وأهل الاضطرار، فهؤلاء يسعهم أن يأخذوا بقدر الحاجة مع الكراهة والإنكار لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]، كما ينبغي أن يكون قلبه غيرَ راض بكلِّ عمل ظهر له من الشرع حُرْمَتُهُ، حتى يتمّ له أمر البراء من المعاصي لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا [وفي رواية: فَنَكِرَهَا] كَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَمَنْ شَهِدَهَا».

فالأموال التي ورثتها فإن كانت عبارة عن عَقَّار أو أثاث فيبقى الحكم على ما هو عليه، أمّا إن كانت نقودًا فإن كان فيها الغالب وهو المستعمل جاز ذلك، فإن اختلط بغيره اختلاطًا يمكن تمييزه بين الحلال والحرام عمل بالتمييز وإلاّ فما كان أكثر حلالاً فجاز له، وما كان دون ذلك أو ساوى بين الحلال والحرام فيتركه توّرعًا.

[التفريق في الحُكم بين الجاهل بحرمة المال المُكتسب و العالم به]

ثم فصَّل الشيخُ الفرق بين علم المكلف بالتحريم أو جهله به على النحو التالي:

” لا يجوز [الانتفاع بالمال المُحرم] ما دام حكمُ المنع وَصَل إلى علم المكلَّف، وأمَّا قبل العلم بالتحريم فله ما قَبَضه مِنْ أموال أو استهلكه؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ [البقرة: ٢٧٥] مع ترتيب الإثم على التقصير في معرفة الحكم الشرعيِّ قبل الشروع في العمل.”

و يقول الشيخ في موضع أخر من فتاويه:

” فالجاهل الذي لم يتمكَّنْ مِن تحصيلِ العلم بالحكم، أو استفتى فأُفْتِيَ بجوازِ التكسُّبِ بالغناء والموسيقى؛ فإِنَّ هذا النوعَ مِن الجهل يُعْذَرُ صاحِبُه ويُعفى عن المال الذي اكتسبه مِن مصدرٍ محرَّمٍ قبل معرفته للحكم الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ فالآيةُ ـ وإِنْ نزلَتْ في شأنِ مَن يَتبايعُ بالربا مِن المسلمين ـ فالعبرةُ فيها بعمومِ اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا كان اللهُ تعالى قد عَفَا للمسلم عن المال المُكْتسَبِ بالربا قبل نزول التحريم فيُلْحَقُ به سائرُ المَكاسِبِ المحرَّمة قبل العلم بها؛ وعليه فهي له حلالٌ ولأبنائه؛ فلا يُحْكَمُ عليها بالردِّ والتخلُّص والبطلان.

أمَّا مَن قَدَرَ على التعلُّم ومعرفةِ الحكم أو تَمكَّنَ مِن العلم بالحكم وتَرَكه تكاسلًا، أو فَعَل المحظورَ رغبةً في المال، أو استفتى فحَصَلَ له العلمُ بالتحريم بالفتوى؛ فإنَّ هذا الكسب لا يجوز، والواجبُ عليه التوبةُ، ومِن شروطها التخلُّصُ مِن الكسب الحرام، فإذا كان يَفْتَقِرُ إذا تَخلَّصَ منه جميعًا جازَ أَنْ يأخذ منه قَدْرَ حاجتِه، وعليه أَنْ يُنْفِقَ ما بَقِيَ على مَصالِحِ المسلمين ومَنافِعِهم؛ فإِنْ تَعذَّرَ فعلى الفقراء والمساكين.”

ثم بناء على نفس القاعدة، فصَّل الشيخُ في موضع أخر من فتاويه آثار العقد الفاسد، و أثر نية المتعاقدين في أثار العقد، فقال حفظه الله:

” فإنَّ صاحِبَ العقد الفاسد إذا عَلِمَ بتحريمه ثمَّ تاب بعد حصول التقابض فيه واعتقادِ صِحَّتِه فإنَّه يملك ما قَبَضه، والأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: فمَنِ انتهى عن تَعاطي الرِّبَا وانزجر عن فِعْلِه بعدما جاءه وعظٌ وتذكيرٌ وترهيبٌ فإنَّه يُباحُ له ما قَبَضَهُ مِنَ المُعامَلاتِ التي أَجْرَاها قبل أَنْ تبلغه الموعظةُ؛ جزاءً على الْتزامِه بتركِ مقتضى النهي وقَبولِه للنصيحة.

نظر: «قاعدةً في المقبوض بعقدٍ فاسدٍ» في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٩/ ٤١١)، و«كسب الزانية إذا قبضَتْهُ ثمَّ تابَتْ» في: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٧٧٨).)

أمَّا إذا قَبَضَ بعقدٍ ربويٍّ فاسدٍ مُجْمَعٍ على تحريمه أو مُخْتَلَفٍ فيه، وتَعمَّدَ التعاملَ بالرِّبَا وهو يعلم حُرْمتَه؛ فما قَبَضه بمُوجَبِ ذلك العقدِ ـ بعد توبته ـ لا يملكه القابضُ لبطلان العقد ـ شرعًا ـ ووَجَبَ على المتبايِعَيْنِ فسخُه والتَّرادُّ، أي: يرجع المتعاقِدان إلى حالةِ ما قبل التعاقد عند الإمكان؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، ويَبْطُلُ كُلُّ ما تَضمَّنَه العقدُ مِنْ شروطٍ وقيودٍ حكمًا؛ عملًا بقاعدةِ: «إِذَا بَطَلَ الشَّيْءُ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ».

و شرط إمكان الفسخ: بقاءُ المعقود عليه على ما كان قبل القبض، ويَمْتنِعُ الفسخُ إذا تغيَّرَ ـ مثلًا ـ شكلُ المعقود عليه أو هلك أو استُهْلِك بحيث لم يَبْقَ على حالته الأولى، ومِنْ شرط إمكان الفسخ ـ أيضًا ـ: عدمُ تعلُّقِ حقِّ الغير به؛ فلو تَصرَّفَ فيه المشتري بالبيع أو بالهِبَة وتمَّ قبضُه مِنَ الموهوب له امتنع الفسخُ.

ومِنْ جهةٍ ثالثةٍ: إذا تَعذَّرَ فسخُ العقد الفاسد عن طريقِ أحَدِ المتعاقِدَيْن أو بحكم القاضي كما في صورة إباحة القوانين الوضعية السارية المفعولِ العقودَ الربوية وإجبارِ المتعاقِدَيْن على الوفاء بها؛ فليس ـ والحال هذه ـ للمتعاقِدِ التائب مِنَ العقد الفاسد إمكانيةُ إلغاء العقد أو فسخِه، وليس له القيامُ بإتلافِ ما بيده ممَّا قَبَضه؛ لنهي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن إضاعة المال، وليس له مِنْ سبيلٍ في التخلِّي عنه أو التصدُّق به؛ لحاجته إليه أوَّلًا، ولمطالَبة البنك له بتسديد الزيادة أو التهديد له ثانيًا؛ فلم يَبْقَ ـ في تقديري ـ إلَّا القولُ بأنَّ ما قَبَضه عالمًا بحرمته ثمَّ تاب منه: فإنَّه يتملَّكه ضرورةً لا دِينًا؛ بالنظر لغياب السلطة الشرعية الكفيلة بفسخ العقود الربوية.

وبناءً على ما تَقدَّمَ فإنه يصحُّ التعاملُ مع مَنْ مقبوضه فاسد إذا ما انتهى عن فِعْلِه وتاب منه؛ لامتلاكه ما قَبَضه ـ على التفصيل السابق ـ بخلافِ مَنْ لم تَنفع معه الموعظةُ وبقي مِنْ غيرِ توبةٍ فلا يصحُّ التعاملُ معه ولا التعاون ولا المصاحبة لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢﴾ [المائدة]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ»”

[من أكل المال الحرام بفتوى يعتقد صحتها]

” فبالنسبة لصاحب العمل غيرِ المشروع في الأصل إذا قَبَض المالَ بطريقٍ فاسدٍ يعتقد صحَّتَه بناءً على فتوَى مَنْ ظنَّ السائلُ أنَّه أهلٌ لها واطمأنَّتْ نفسُه إليه؛ فإنَّه يملك ما قَبَضه لأنَّه سَلَك ـ لمعرفة الحكم الشرعيِّ ـ الطريقَ المطلوب المتمثِّل في قوله تعالى: ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ [النحل: ٤٣؛ الأنبياء: ٧]، وفي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ»، وإِنْ وَقَع الإثمُ فإنَّما يقع على مَنْ أفتاهُ مِنْ غيرِ ثبتٍ أو سندٍ شرعيٍّ أو لم يكن أهلًا للاجتهاد والفتوى، فإذا توفَّرَتْ في المفتي الشروطُ المُعتبَرةُ في الفتوى فهو مأجورٌ أصاب أو أخطأ؛ لحديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»، والعامِّيُّ لا مذهبَ له، وله أَنْ يتخيَّرَ مِنَ العلماء إذا عَجَز عن إدراك الأفضلِ علمًا وورعًا، فإِنْ أدرك ـ بعد ذلك ـ أنَّ المفتيَ ليس أهلًا للفتوى أو لم تطمئنَّ نفسُه إليه، وعَلِم أنَّ ما اكتسبه مِنْ أموالٍ مِنْ نِتاجٍ حرامٍ؛ فما استهلكه قبل العلم بحرمته فهو عفوٌ، وما حَصَل عليه بعده فيجب التخلُّصُ منه في المرافق العامَّة، وإلَّا فإلى الفقراء والمساكين والمحتاجين، يتصدَّق به؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨ [البقرة]، وقولِه تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ [البقرة: ٢٧٥]، ولحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١ [المؤمنون]، وَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!!».”

[حكم أداء فريضة الحج و أنواع القُربات الأخرى بواسطة المال المُكتسب من طريق مُحرم]

و أما بخصوص أداء فريضة الحج و أنواع القُربات الأخرى بواسطة المال المُكتسب من طريق مُحرم، فيقول الشيخ في حُكم الحج بمال مكتسب من جوائز بعض المسابقات المُحرمة:

“هذا، ولَمَّا كانَتِ «الوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ المَقَاصِدِ» فإنَّ الجوائز المعطاةَ بهذه الكيفيَّةِ لا يجوز الانتفاعُ بها للجهتين السابقتين؛ فمَنْ حَصَل على الجوائز بعد العلم بالمنع والكراهة فالواجبُ عليه أَنْ يتصدَّق بها أو يُنْفِقَ ثمنَها في وجوه البِرِّ؛ ذلك لأنَّ مِنْ شَرْطِ التوبةِ التخلُّصَ مِنَ المال الحرام، غيرَ أنَّ مَنْ حَجَّ بهذا المالِ فإنَّ حَجَّهُ صحيحٌ على أَرْجَحِ قَوْلَيِ العلماء، وتسقط به الفريضةُ، ولا تُشْغَلُ به ذِمَّتُهُ، وهو آثمٌ بفعلِ الحرام؛ لانفكاكِ جهةِ الأمر عن جهة النهي، ولا أَجْرَ له على حَجِّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰ [البقرة: ١٩٧]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»؛ أمَّا قبل العلم بتحريمها فلا يَلْحَقُه إثمٌ لكونه معذورًا بالجهل؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ  [البقرة: ٢٧٥]. “

و قال في موضع أخر من فتاويه:

” فالحجُّ عبادةٌ مفروضةٌ مركَّبةٌ من القدرة البدنيةِ والماليةِ، فينبغي على المكلَّفِ أداؤُها بالمالِ الطيِّب والرِّزق الحلالِ لتحصيل الأجرِ والثوابِ، لقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّـبًا».

غيرَ أنّ من حَجَّ بِمَالٍ حرامٍ فإنّ حَجَّهُ صحيحٌ على أرجح قَوْلَي العلماء، وتسقط به الفريضةُ، ولا تشغل به ذِمّته، وهو آثمٌ بفعل الحرام، لانفكاك جهة الأمر عن جهة النهي، ولا أجرَ له على حجّه لِمَا تقدّم من الأحاديث الصحيحة؛ ذلك لأنّ النفقة المالية ليست مقصودةً في ذاتها لجواز حجّ المكلَّف عن نفسه بنفقات غيره تبرُّعًا، فإذا حصل الإنفاق بالحلال وقع به الأجر وإلاّ لم يحصل له أجر، ولأنّ النفقة المالية ليست شرطًا في صحّة الحجّ وإنما هي شرط وجوب في حقّ البعيد دون القريب، إذ القريب المتمكّن من أداء الحجّ بدون نفقة فحجّه صحيح، ولم يرد عن العلماء القول بفساد حَجّه، فظهر بوضوح انفكاك الجهتين. أمّا حديث: «مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: «لاَ لَبَّيْكَ وَلاَ سَعْدَيْكَ وَحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ»، وغيرُه من الأحاديث فهي ضعيفةُ السند لا تقوى على النهوض والاحتجاج.”

[كيفية التعامل مع مال الميراث الذي اكتسبه الميتُ من طريق مُحرم]

و أما بخصوص مال الميراث الذي اكتسبه الميتُ من طريق مُحرم، فالواجبُ في حق الورثة التخلص من هذا المال، على التفصيل التالي، يقول الشيخ فركوس حفظه الله:

” فالمالُ المكتسَبُ مِن طريقٍ محظورٍ غيرِ مشروعٍ لا يدخلُ في مِلْكِ المسلم بِحَالٍ، وَيُمْنَعُ عليه حِيازتُه، فإِنْ حازَهُ بهذا الوصفِ كان مُخالِفًا لأحكام الشريعةِ، خارجًا عن قواعدِها، والموتُ لا يُطَيِّبُ المالَ الحرامَ سواءٌ كان بِيَدِ المورِّث أو بيد الوارث.

وعليه، فإنَّ ثبوتَ المالِ الحرامِ لا يُبيحُ انتقالَه إلى يدِ الوارث، وإنما يسعى هذا الأخيرُ إلى تبرئةِ ذِمَّةِ مُورِّثه الميِّت، وإسقاطِ الإثم الذي تَعَلَّقَ بها، وذلك بالتخلُّص مِن القَدْر الذي يعلم أنه فوائدُ ربويةٌ، ويعمل على ردِّ الحقوق والمظالم إلى أصحابها إن عُرِفوا، فإِنْ تعذَّر معرفتُهم فالواجبُ إنفاقها في المرافق العامَّة، فإن تعذَّر تصدَّق بها على الفقراء والمساكين، والقَدْرُ المشتبَهُ بين الحلال والحرام يُسْتَحبُّ له تركُه.

هذا، ولا يجوز له الانتفاعُ بالمال الحرام إلاَّ إذ حُرِمَ الوارثُ مِن الحاجيات الضرورية، وافتقر ـ حالَ التخلُّص منه بإنفاقه في وجوه البرِّ ـ فكان الوارثُ أَوْلى مِن الفقراء والمحرومين فيأخذُ ما يخصُّه منه لدَفْعِ حاجياته الضرورية، فيصرفه في قضاءِ الدَّين أو نفقةِ عِيالٍ ونحوِ ذلك، ويتعفَّف ممَّا هو حرامٌ، ويُنْصَحُ وَرَثَةُ أبيه بالتخلُّص منه تبرئةً لذمَّةِ أبيهم، ولا يُشارِكهم فيه إِنْ أَبَوْا ورفضوا ويطرحُه مِن نصيبه بعد القسمة الإرثية.”

[حُكم الرواتب المأخوذة من أموال الدولة المختلط فيها الحرام بالحلال]

الموظَّف في المؤسَّسات الإدارية للدولة أو غيرها التابعة لها يُقدِّم ـ في حدِّ ذاته ـ عملاً مشروعًا ومُباحًا، ومِن هنا كان الفرقُ ظاهرًا مع الموظَّف في مؤسَّساتٍ إداريةٍ كُلُّ مَوارِدِها محرَّمةٌ، أو أصلُ تأسيسها على محرَّمٍ كالإقراض الربويِّ في المؤسَّسات المالية، أعني: البنوك بالدرجة الأولى؛ لأنَّ الموظَّف فيها يُقدِّم عملاًَ محرَّمًا في ذاته، فهو إِنْ لم يكن كاتبًا للرِّبَا يكون شاهدًا عليه، وقد جاء في الحديث: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ»، وقال: «هُمْ سَوَاءٌ»، ويُلْحَقُ بهذا النوع الموظَّفون في الضرائب والمكوس ونحوها، لكنَّ المصدر الماليَّ لهذه المؤسَّسات الحكومية مُخْتَلِطٌ بين الحلال والحرام، لأنَّه عادةً ما تكون أموال الخزينة ممَّا تحصِّلها الدولةُ مِن الضرائب والمكوس والفوائد الربوية والملاهي المحرَّمة والقمار وغيرها، فباذلُ المالِ فيها غيرُ مخصوصٍ؛ لذلك لا يمنع هذا الاختلاطُ مِن استيفاء الديون والتكسُّب الوظيفيِّ؛ إذ لا يُحْكَم على الموظَّف بأنَّه آخِذٌ للمال الحرام بسبب اختلاطه، وقد عُلِمَ في زمن الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم والخلفاءِ الراشدين مِن بعده أنَّ أثمان الخمور ودراهمَ الرِّبَا والغلول المُخْتَلِطَة بأموال الناس قد كانت تُجْعَل في خزانة بيت المال، وقد كان العُمَّالُ يأخذون رواتبهم مِن بيت المال، وقد أدرك الصحابةُ رضي الله عنهم نَهْبَ المدينة في عصر يزيد بنِ معاوية وتصرُّفَ الظَّلَمَة، ولم يقل أحَدٌ بمنع التعامل، ولو فعلوا ذلك لَانْسَدَّ بابُ جميعِ التصرُّفات ولَحَصَلَ للأمَّةِ ضيقٌ شديدٌ وحَرَجٌ عظيمٌ، وما دام أنه مِن المُحال أن تَصْفُوَ خزانةُ الدولة مِن المال الحرام، والمالُ الحرامُ مالٌ عامٌّ؛ فإذا لم يُعلم صاحِبُه فمَآلُه إلى بيت مال المسلمين لينفقه على المَرافِقِ العامَّة، وأهلُ الوظائف بالمَرافِقِ العامَّة يَسْتَحِقُّونها بناءً على مشروعية عَمَلِهم في الأصل. وعليه فلا يَسَعُ القولُ بحرمةِ الرواتب المأخوذة مِن العمل في المؤسَّسات الحكومية ما لم يكن المُباشِرُ فيها يعمل عملاً غيرَ مشروعٍ في ذاته، لثبوت حقِّ الموظَّف في ذمَّةِ الدولة لا في عين المال المحرَّم.

[ملكيةُ الأموال المكتسبة من طريق مُحرم و مصارفها]

يقول الشيخ في ملكية المال المُحرم:

” و إنما المالُ الحرام مالٌ عامٌّ يُرْجَع فيه إلى المرافق العامَّة ومنافعِ المسلمين ومَصالِحِهم أو إلى الفقراء والمساكين ومَنْ في حكمهما مِنْ ذوي الحاجات، بالنظر إلى عدمِ معرفة الأشخاص الذي ظُلِموا في هذه المعاملات …  فهو مالٌ عامٌ يملكه عمومُ المسلمين

أما بخصوص اشتراط التخلص من الأموال المكتسبة بطريق محرم لصحة التوبة، فيقول الشيخ في موضع أخر من فتاويه:

” فالواجب على الوكيل وغيرِه أن يؤدِّيَ الأمانةَ إلى من ائتمنه، ويُقلِع عن التعدِّي على أموال الناس بالحيلة والكذب والخداع، وعليه أن يندم ويتوب ويستتبع توبتَه بالاستغفار والعمل الصالح، ومِن شرط التوبة التخلُّصُ من المال الحرام، وردُّ المظالم إلى أهلها، فإن لم يُعرفوا أنفقها في مصالح المسلمين ومنافعِهم.”

و فصَّل الشيخُ في مصارف التخلص من الأموال المكتسبة بطريق محرم على النحو التالي:

” فالواجبُ على المسلم إذا أراد التخلُّصَ مِنَ المال الحرام إذا يَئِسَ مِنْ معرفة صاحِبِه أَنْ يَصْرِفَه على مصالح المسلمين أو على الفقراء والمساكين وَفْقَ ما يراه مُلائمًا ومُناسبًا، وله أَنْ يُقَدِّرَ الأنسبَ بحَسَبِ ما تَيَسَّرَ له، فإِنْ رأى أنه يصرفه على مصالح المسلمين أو إلى جهةٍ خيريةٍ تعمل على تحقيقِ مشروعٍ خيريٍّ عامٍّ غيرِ محصورٍ بفردٍ أو جماعةٍ معيَّنةٍ؛ جاز له ذلك كبناء مستشفًى أو بيتٍ للأيتام، أو يُصْرَف في بيوت الوضوء والخلاء في المساجد إِنْ كانَتْ مُنْفصِلةً عنها، ونحوِ ذلك ممَّا يحقِّق مصلحةً عامَّةً، أو رأى الأنسبَ أَنْ تُصْرَف للفقراء والمساكين لإخراجِ ما بيده مِنْ مالٍ حرامٍ، فيدفعه إليهم ليسدُّوا به حاجتَهم؛ فإنه يجوز له ذلك.

أمَّا توزيع المال الحرام على شكل أشرطةٍ ورسائلَ دعويةٍ فليس بِمَصْرِفٍ صحيحٍ للمال المحرَّم مِنْ جهتين:

الأولى: أنه لا ينتفع به المسلمون عامَّةً، وإنما هو محصورٌ في أفرادٍ معدودين لا على وجه العموم.

والجهة الثانية: أنَّ شأن الأشرطة القرآنية والوعظية والعلمية والرسائل الدعوية كشأن المسجد وعمارته: لا ينبغي أَنْ يكون المالُ الخبيث موضعَ إكرامٍ لها؛ لأنَّ «اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا».

ولا يقاسُ على إعطاء المال المحرَّم للفقير؛ لأنَّ الله تعالى أَذِنَ له أَنْ يأخذ هذا المالَ حتَّى لا يبقى بغير مالكٍ؛ لكنَّه لم يأذن بالانتفاع بالمال المحرَّم في بناء المسجد أو عمارته، سواءٌ كانَتْ عمارةَ بُنيانٍ أو عمارةَ إيمانٍ على أصحِّ قَوْلَيِ العلماء.”

[في طريق التخلُّص مِنَ الفوائد البنكية]

“الفوائد الربوية محرَّمةٌ، سواءٌ صدرَتْ مِنَ البنوك أو مِنْ غيره، والواجبُ على المتعامل التوبةُ لتَعاوُنِه معها ـ ظلمًا ـ في العمليات الربوية، وما دام أنَّ هذه الفوائد الربوية ليسَتْ مِلْكًا للبنك ولا للمُودِع فيه، ولا يُعْرَف صاحبُ المال المظلوم؛ فإنه يجوز التصدُّقُ بها نيابةً عنه على مصالح المسلمين عامَّةً، أي: على كُلِّ ما يرجع إليهم بالنفع العامِّ، أو على الفقراء والمساكين وَفْقَ ما يراهُ مُلائِمًا ومُناسِبًا، ويُقدِّر الأنسبَ بما يتيسَّر له، إمَّا بتحقيقِ مصلحةٍ عامَّةٍ، وإمَّا بسَدِّ حاجات الفُقَراء والمساكين؛ لأنَّ حكم المال المحرَّم ـ إذا لم يُعْلَمْ صاحبُه ولا ورثتُه ـ أَنْ يتحوَّل إلى مالٍ عامٍّ يَشترِكُ فيه عمومُ الناس، ويرجع إلى منافعهم ومَرافِقِهم العامَّة، أو على الفقراء والمساكين بحسَبِ ما تيسَّر، ويُؤجَرُ ـ إِنْ شاء الله ـ على توبته ونيَّته الحسنة وعملِه الصالح.”

و يقول الشيخ في موضع أخر من فتاويه بخصوص إنفاق المال المُكتسب من طريق مُحرم في عمارة المساجد:

” فينبغي أَنْ تُسْتَصْحَبَ طهارةُ المساجد في التعمير والبناء، وهي إحدى الطهارتين أُخْتُ الطهارةِ الإيمانية، بل هي وليدةٌ عنها.”

[في حكم إنفاق الأموال المكتسبة من طريق مُحرم في دفع الضرائب و المَكوس]

قال الشيخ حفظه الله:

” ولمَّا كانَتِ الزياداتُ الربوية مالًا عامًّا يملكه عمومُ المسلمين فلا يستطيع بمِلْكِ غيره أَنْ يسدِّد الضرائبَ التي فُرِضَتْ عليه شخصيًّا، جائرةً كانت أم عادلةً؛ لِمَا فيه مِنَ الاعتداء على مِلك غيره والإضرارِ به؛ لأنَّ «الضَّرَرَ يُزَالُ بِلَا ضَرَرٍ»، و«الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ» كما تقضي به القواعدُ العامَّة؛ ما لم يكن فقيرًا أو مسكينًا فأُعْطِيَ له مِنَ المال الحرام بقدرِ حاجته؛ فإنه يجوز له أَنْ يتصرَّف فيه بالصدقة وتسديدِ ديونه ودفعِ الضرائب المفروضة عليه؛ لأنَّ المال المدفوعَ إلى الفقير أو المسكين يصير مِلْكًا حلالًا طيِّبًا له؛ لأنَّ المال الحرام لا يجوز إتلافُه وتضييعه؛ فلم يَبْقَ إلَّا صرفُه في مصالح المسلمين أو على ذوي الحاجات مِنَ الفقراء والمساكين، وفي هذا المعنى قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «وإذا دَفَعه إلى الفقير لا يكون حرامًا على الفقير، بل يكون حلالًا طيِّبًا، وله أَنْ يتصدَّق به على نفسه وعيالِه إذا كان فقيرًا؛ لأنَّ عياله إذا كانوا فُقَراءَ فالوصفُ موجودٌ فيهم، بل هم أَوْلى مَنْ يتصدَّق عليه، وله هو أَنْ يأخذ منه قَدْرَ حاجته لأنه ـ أيضًا ـ فقيرٌ» «المجموع» للنووي (٩/ ٣٥١).”

قلتُ (هاني) : و الشيء بالشيء يُذكر، فقد توقف الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في هذه المسألة، كما في سلسلة لقاءات الباب المفتوح، لقاء الباب المفتوح [53]، قال الشيخ رحمه الله:

“… فالذي نرى: أن أخذ الربا، لا يجوز بأي حال من الأحوال، إلا أننا نتوقف في هذه المسألة الأخيرة، وهي إذا كانت هذه الدول الظالمة التي تفرض الضرائب على الناس، وأخذ الإنسان من الربا بقدر مظلمته، ليدفعه لهذه الدولة الظالمة، فهذا محل توقف عندي، والله أعلم بالصواب.”

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

هاني حلمي

3 أفكار على ”المالُ المُكتسب من طريق مُحرمٍ و شيءٌ من أحكامه الفقهية…!

  1. تعقيب: خلاصة كتاب: “أحكام المال الحرام وضوابط الانتفاع والتصرف به في الفقه الإسلامي” | هاني حلمي

  2. تعقيب: فصلٌ في آية الربا…! | هاني حلمي

  3. تعقيب: سؤال عن قرض ربوي يشترط فيه تأميناً تجارياً على الحياة…! | هاني حلمي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s